ترحب إدارة الجمعية الدولية للمترجمين العرب (جمع – واتا – wata) بالزوار الكرام أجمل ترحيب، وتدعوهم إلى التسجيل في الموقع والمشاركة في أنشطة الجمعية، وتتمنى لهم طيب المقام. الإدارة.
بواسطة admin_01 في 17/07/2008 7:15:53 (30 القراء)

الخلاص في العهد القديم
كما يجسده سفر القضاة

يعد سفر القضاة من أهم الأسفار التي تجسد فكرة الخلاص في العهد القديم، كما يرسم سفر القضاة صورة واضحة المعالم لشخصية المخلص، من الناحيتين الدينية والسياسية.

ويعد الخلاص من أهم الأفكار التي بنيت عليها الديانة اليهودية كما يعكسها العهد القديم، وترتبط فكرة الخلاص بفكرتي الاختيار والعهد؛ فقد اختار يهوه إسرائيل شعبا له دون سائر الشعوب، وعلى الشعب المختار أن يلتزم بالعهد المقطوع بينه وبين الرب، وهذا العهد ينص على التزام هذا الشعب بوصايا يهوه وعدم الشرك به من جانب، ومن جانب آخر يتعهد يهوه بحماية شعبه من جميع المخاطر ويمكنه من الاستقرار في الأرض التي أعطاه إياها ميراثا.

لكن إذا ترك الشعب يهوه وهجر وصاياه سوف يحل به العقاب الإلهي، ويظهر العقاب الإلهي إما في صورة كوارث بيئية طبيعية أو عن طريق عصا الرب المؤدبة لشعبه وهى باقي شعوب الأرض حيث يدفع الرب شعبه ليد تلك الشعوب فتتسلط عليهم.

وعندما يتوب الشعب ويرجع إلى طريق الرب يثيب يهوه شعبه ويتقبل توبتهم ويخلصهم من يد أعدائهم ومن هنا يرتبط مفهوم الخلاص بفكرة الثواب والعقاب، حيث يدخل الخلاص ضمن منظومة الثواب والعقاب، فالخلاص يعد ثواب على الرجوع إلى طريق الرب.

وهناك عبارات كثيرة في سفر القضاة تصف العلاقة بين يهوه وشعبه تلك العلاقة المتأرجحه بين طاعة يهوه والولاء له وبين معصيته والخروج على عبادته وما يتبع ذلك:

- (2: 11-19) " وفعل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم وتركوا الرب إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر وساروا وراء آلهة أخرى من آلهة الشعوب الذين حولهم وسجدوا لها وأغاظوا الرب... فحمى غضب الرب على إسرائيل فدفعهم بأيدي ناهبين نهبوهم وباعهم بيد أعدائهم حولهم ولم يقدروا بعد على الوقوف أمام أعدائهم. حيثما خرجوا كانت يد الرب عليهم للشر كما تكلم الرب وكما أقسم الرب لهم. فضاق بهم الأمر جدا. وأقام الرب قضاة فخلصوهم من يد ناهبيهم... وحينما أقام الرب لهم قضاة كان الرب مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي... وعند موت القاضي كانوا يرجعون ويفسدون أكثر من آبائهم..."

- (3: 12-15) " وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب فشدد الرب عجلون ملك موآب على إسرائيل لأنهم عملوا الشر في عيني الرب فجمع إليه بني عمون وعماليق وسار وضرب إسرائيل وامتلكوا مدينة النخل... وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب فأقام لهم مخلصا إهود بن جيرا البنياميني..."

- (10: 6-15) " وعاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب وعبدوا البعليم و العشتاروث وآلهة أرام وآلهة صيدون وآلهة موآب وآلهة بني عمون وآلهة الفلسطينيين وتركوا الرب ولم يعبدوه. فحمى غضب الرب على إسرائيل وباعهم بيد الفلسطينيين وبيد بني عمون... فصرخ بنو إسرائيل إلى الرب قائلين أخطأنا إليك لأننا تركنا إلهنا وعبدنا البعليم. فقال الرب لبني إسرائيل أليس من المصريين والأموريين وبني عمون والفلسطينيين خلصتكم... وأنتم تركتموني وعبدتم آلهة أخرى لذلك لا أعود أخلصكم. امضوا واصرخوا إلى الآلهة التي اخترتموها لتخلصكم... فقال بنو إسرائيل للرب أخطأنا فافعل بنا كل ما يحسن في عينيك إنما أنقذنا هذا اليوم."

ومن جانب آخر يرتبط الخلاص بالاختبار الإلهى، اختبار يهوه لشعبه المختار، فقد ترك يهوه باقي شعوب الأرض لكي يمتحن بهم شعبه لكي يعلم هل يلتزم شعبه بوصاياه أم يسير وراء الشعوب الوثنية وينخرط معهم.

وتشير العبارات (2: 21-23) من سفر القضاة إلى ذلك " فأنا (يهوه) أيضا لا أعود أطرد إنسانا من أمامهم من الأمم الذين تركهم يشوع عند موته لكي امتحن بهم إسرائيل أيحفظون طريق الرب ليسلكوا بها كما حفظها آباؤهم أم لا فترك الرب أولئك الأمم ولم يطردهم سريعا ولم يدفعهم بيد يشوع". وكذلك العبارات (3: 1-4) من سفر القضاة " فهولاء الأمم الذين تركهم الرب ليمتحن بهم إسرائيل... أقطاب الفلسطينيين الخمسة وجميع الكنعانيين والصيدونيين والحويين... كانوا لامتحان إسرائيل بهم لكي يعلم هل يسمعون وصايا الرب التي أوصى بها آباءهم عن يد موسى".

لكن هل ينجح الشعب المختار في الاختبار الإلهي، أم يعمل الشر في عيني الرب؟

يبدو أن الشعب لم ينجح في الاختبار الإلهي كما تشير العبارات(3: 5-8) من سفر القضاة "فسكن بنو إسرائيل في وسط الكنعانيين والحيثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين واتخذوا بناتهم لأنفسهم نساء واعطوا بناتهم لبنيهم وعبدوا آلهتهم فعمل بنو إسرائيل الشر في عيني الرب ونسوا الرب إلههم وعبدوا البعليم والسواري فحمى غضب الرب على إسرائيل فباعهم بيد ..."

لكن هل الخلاص يتم عن طريق مخلص يتحقق على يده الخلاص، أم أن الخلاص يتم عن طريق التوبة والندم والعودة إلى طريق الرب،أو بعبارة أخرى هل يخلص يهوه شعبه عن طريق وسيط أم أن هناك علاقة مباشرة بين يهوه وكل فرد من شعبه.

تشير بعض عبارات سفر القضاة إلى ارتباط الخلاص بالتوبة والندم، توبة بني إسرائيل وندمهم وصراخهم إلى الرب لكي يخلصهم من يد أعدائهم، كما تشير العبارة (3: 9) "وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب فأقام الرب مخلصا لبني إسرائيل فخلصهم."

علاوة على ندم الرب على ما فعله بشعبه، كما يتضح من العبارة ( 2: 18) " وحينما أقام الرب لهم قضاة كان الرب مع القاضي وخلصهم من يد أعدائهم كل أيام القاضي. لأن الرب ندم من أجل أنينهم بسبب مضايقتهم وزاحميهم."

ومن جانب آخر تُشير العديد من عبارات سفر القضاة إلى ضرورة وجود وسيط بين يهوه وشعبه يلقى على عاتقه قيادة الشعب ويتحقق على يديه الخلاص. ولابد من أن تتوفر بعض الصفات في شخصية المخلص ، وفيما يلي إشارة إلى أهمها:

ملامح شخصية المخلص كما تصفها عبارات سفر القضاة:

شخصية المخلص – كما تصفها عبارات سفر القضاة – شخصية تتوافر فيها صفات الزعامة والشجاعة، والسير في طريق الرب.

وتشير بعض عبارات سفر القضاة إلى أن المخلص أو الزعيم الذي يقود الشعب إلى طريق الخلاص لابد وأن يكون باختيار إلهي، فقد يظهر له ملاك الرب كما تشير العبارات (6: 11-16) " وأتى ملاك الرب وجلس تحت البطمة التي في عفرة التي ليوآش الأبيعزري. وابنه جدعون كان يخبط حنطة في المعصرة...فظهر له ملاك الرب وقال له الرب معك يا جبار البأس. فقال له جدعون أسألك يا سيدي إذا كان الرب معنا فلماذا أصابتنا كل هذه وأين عجائبه التي أخبرنا بها آبائنا ألم يصعدنا الرب من مصر. والآن قد رفضنا الرب وجعلنا في كف مديان. فالتفت إليه الرب وقال اذهب بقوتك هذه وخلص إسرائيل من كف مديان. أما أرسلتك. فقال له أسألك يا سيدي بماذا أخلص إسرائيل ها عشيرتي هي الذلى في منسي وأنا الأصغر في بيت أبي. فقال له الرب إني أكون معك وستضرب المديانيين كرجل واحد."

وكذلك تشير بعض عبارات سفر القضاة إلى أن روح الرب تحل على المخلص، (3: 9-10) "وصرخ بنو إسرائيل إلى الرب فأقام الرب مخلصا لبني إسرائيل فخلصهم عثنيئيل بن قناز أخا كالب الأصغر فكان عليه روح الرب وقضى لإسرائيل وخرج للحرب فدفع الرب ليده كوشان رشعتايم."

وكذلك فقد حلت روح الرب على شمشون أكثر من مرة، (14: 5-6) " فنزل شمشون وأبوه وأمه إلى تمنة وأتوا إلى كروم تمنة. وإذا بشبل أسد يزمجر للقائه فحل عليه روح الرب فشقه كشق الجدي وليس في يده شئ. "، (15: 13-16) " فأوثقوه (شمشون) بحبلين جديدين وأصعدوه من الصخرة، ولما جاء إلى لحي صاح الفلسطينيون للقائه. فحل عليه روح الرب فكان الحبلان اللذان على ذراعيه ككتان أُحرق بالنار فانحل الوثاق عن يديه. ووجد لحى حمار طريا فمد يده وأخذه وضرب به ألف رجل. فقال شمشون بلحى حمار كومة كومتين. بلحى حمار قتلت ألف رجل.

هذا بالإضافة إلى أن الخلاص يتحقق بالحيلة والخداع، فمن حين لآخر يشير سفر القضاة إلى صفة من أهم صفات المخلص وهى الحيلة والخداع، فقد يلجأ المخلص لاستخدام حيله لكي يتخلص من عدوه ويحقق الخلاص لشعبه مثلما فعل إهود بن جيرا البنياميني عندما أراد التخلص من عجلون ملك موآب (3: 15-26)، وأيضا تم التخلص من سيسرا رئيس جيش ملك كنعان عن طريق الحيلة (4: 17-22).

ومن الملاحظ أنه هناك ربط واضح بين الخلاص والقضاء، فقد جمع العديد من مخلصي سفر القضاة بين القضاء والخلاص، فقد يكون هذا المخلص قاضيا مثل عثنيئيل بن قناز وإهود بن جيرا وشمشون، وقد يجمع المخلص بين القضاء والنبوة مثل دبورة، وقد يكون المخلص ملكا مثل أبيمالك بن يربعل.

ولا يقتصر الخلاص على الرجال دون النساء، فقد كانت دابورة مخلصة، وكذلك فقد خلصت ياعيل امرأة حابر القيني إسرائيل من سيسرا رئيس جيش ملك كنعان.

ولابد أن ندرك أن القضاء والخلاص من صفات يهوه فمثلما أشارت عبارات سفر القضاة أن يهوه هو المخلص تشير أيضا العبارة (11: 27) إلى أن يهوه هو القاضي ".. ليقض الرب القاضي اليوم بين إسرائيل وبني عمون.

وبعيدا عن الدور الذي يقوم به المخلص، نلاحظ ارتباط الخلاص بما يسمى فعل يهوه الخلاصي أو بعبارة أُخرى المعجزات التي يحدثها الرب من أجل خلاص شعبه، ولا شك في أن ذلك يمزج بين الخلاص وفكرة الإله المحارب أو " رب الجنود".

ولعل الخلاص – كما تعبر عنه عبارات سفر القضاة ـ يجعل من يهوه الإله المسيطر على الطبيعة والتاريخ والمتحكم في المصائر والأقدار.

فمن الملاحظ أن معارك الخلاص لا تعتمد على تكافؤ قوى الجيشين المتشابكين، بل تعتمد في الكثير من الأحيان على معجزات يهوه، وهذا ما يسمى بفعل يهوه الخلاصي، (7: 2-25) " وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علىّ لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر علىّ إسرائيل قائلا يدي خلصتني... فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفا وبقى عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرا انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب... وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده... وكان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل... وقال الرب لجدعون بالثلاث مئة الرجال الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك... وكان في تلك الليلة أن الرب قال له قم انزل إلى المحلة لأني دفعتها إلى يدك... وكان عدد المديانيون والعمالقة وكل بني المشرق حالين في الوادي كالجراد في الكثرة وجمالهم لا عدد لها كالرمل... وقسم (جدعون) الثلاثة مئة رجل إلى ثلاث فرق وجعل أبواقا في أيديهم كلهم وجرارا فارغة ومصابيح في وسط الجرار... فضربت الفرق الثلاث بالأبواق وكسروا الجرار وأمسكوا المصابيح بأيديهم اليسرى والأبواق بأيديهم اليمنى ليضربوا بها وصرخوا سيف للرب ولجدعون. ووقفوا كل واحد في مكانه فركض كل الجيش وصرخوا وهربواز وضرب الثلاث المئين بالأبواق وجعل الرب سيف كل واحد بصاحبه وبكل الجيش فهرب الجيش ..."

وكذلك تصف العبارات (16: 23- 30) تحقق الخلاص من الفلسطينيين بفضل شمشون صاحب الخلاص العظيم "وأما أقطاب الفلسطينيين فاجتمعوا ليذبحوا ذبيحة عظيمة لداجون إلههم ويفرحوا وقالوا قد دفع إلهنا ليدنا شمشون عدونا... وكان لما طابت قلوبهم أنهم قالوا ادعوا شمشون ليلعب لنا. فدعوا شمشون من بيت السجن فلعب أمامهم وأوقفوه بين الأعمدة. فقال شمشون للغلام الماسك بيده دعني ألمس الأعمدة التي البيت قائم عليها لأستند عليها.وكان البيت مملؤا رجالا ونساء وكان هناك جميع أقطاب الفلسطينيين وعلى السطح نحو ثلاثة آلاف رجل وامرأة ينظرون لعب شمشون. فدعا شمشون الرب وقال يا سيدي الرب اذكرني وشدني يا الله هذه المرة فقط فأنتقم نقمة واحدة عن عيني من الفلسطينيين. وقبض شمشون على العمودين المتوسطين اللذين كان البيت قائما عليهما واستند عليهما الواحد بيمينه والآخر بيساره... وانحنى بقوة فسقط البيت على الأقطاب وعلى كل الشعب الذي فيه ..."


بواسطة admin_01 في 17/06/2008 1:48:30 (143 القراء)

بناء الذات الأنسنية
ــــــــــــــــــــ
د.حازم خيري

"الأنسنية"، مصطلح يعتمده المؤلف في هذا المقال للدلالة على النزعة الإنسانية القائلة بأن الإنسان هو أعلى قيمة في الوجود، تمييزا لها عن "الإنسانيات" باعتبارها مادة الدراسة الجامعية التي تُعنى باللغات والفنون والآداب والتاريخ، أو بمعنى أكثر حصرا باعتبارها دراسة المؤلفات الكلاسيكية الإغريقية والرومانية. وكذلك تمييزا لتلك النزعة عن "الإنسانوية" التي تستخدم للدلالة على الميل أو النزوع إلى الإنسانية أو ادعائها. ويعود الفضل في نحت مصطلح الأنسنية ( كمرادف للمصطلح الغربي Humanism ) للأستاذ فواز طرابلسي، في إطار ترجمته لآخر مؤلفات المفكر الراحل إدوارد سعيد، وهو كتاب (الأنسنية والنقد الديمقراطي)، فقد اقتضت الترجمة الوافية نحت مصطلح عربي يستوعب كافة المضامين الفكرية التي أودعها إدوارد سعيد كتابه الأخير، والتي تُبرز تطوره الفكري والأدبي وقد تأوج في التزامه النهج الأنسني (1).

ومن الصعب علينا فهم دلالة مصطلح الأنسنية حق الفهم، بمعزل عن المشكلات الإنسانية والظروف التاريخية التي مرت بعصور من استخدموه من مفكرين وفلاسفة، وهو ما يحتم علينا تتبع البدايات الأولى لاستخدامه. فقد أُطلق هذا المصطلح، أول ما أُطلق، للدلالة على الحركة الفكرية التي يُمثلها المفكرون الأنسنيون Humanists في عصر النهضة، من أمثال الشاعر الإيطالي الكبير فرنشسكو بتراركه ورفاقه (*). وهي حركة أوضح سماتها السعي إلى الإعلاء من سلطان العقل، ومقاومة السلطة والجمود، وسبيل أنصارها التمرد علي قيود القرون الوسطى وتحطيمها (2).

ويظل اقتراح المفكر المصري إسماعيل مظهر باعتماد النشورية، وليس الأنسنية، ترجمة للمصطلح الغربي Humanism، وكذلك اقتراحه اعتماد النشورى، وليس الأنسني، ترجمة للمصطلح الغربي Humanist، الأكثر تعبيرا عن مضمون تلك الحركة الفكرية المشار إليها سلفا. فالنشورية من النشور بمعنى البعث، وبالتالي هي الأكثر تعبيرا عما قصد إليه المصطلح الغربي من إحياء الآداب القديمة وبعث الإنسان من رقاد القرون المظلمة (3).

والحركة الأنسنية أو النشورية في مطلع عصر النهضة، شأنها في ذلك شأن أي ثورة ثقافية أخرى، أعادت تقييم الأوضاع السائدة في العصر الوسيط، ثم لم تلبث أن تحدت المعنى الذي خلعه على الوجود زعماء اللاهوت في ذلك العصر. وكانت الشرارة الأولى في الثورة نهوض جماعة من المفكرين الأنسنيين أو النشوريين، أعلنت تفسيرا للحياة يتفق مع المفاهيم الآدمية والإنسانية. وبطبيعة الحال جاء ذلك الإعلان على استحياء أول الأمر، غير أنه لم يلبث أن أضحى أكثر جرأة فيما بعد. إذ مضت تلك الجماعة الأنسنية قُدما في تحدي الازدراء الذي نظر به رجال الدين المسيحي في العصر الوسيط إلى عالمنا، وأكدت جزما أن الأرض مقام جميل طيب، وأن الوجود الإنساني هبة ثمينة للغاية، وأنه ليس أمرا عرضيا وبغيضا كما يُروج لذلك تجار الآلام. ولما كان للقدامى نفس الوضع، فان الأنسنيين التجئوا لدعم منطقهم الجريء إلى نفوذ الإغريق واللاتين، ومن ثم اتخذت الحركة الأنسنية من زاوية تلك الحاجة شكل إحياء التراث القديم. ويمكن اعتبار أولئك الأنسنيين الثائرين، ابتداء من بتراركه، جماعة من المجددين، اتصفوا بالإدراك والتبصر، ونجحوا على تردد بعضهم في سحق قيود القرون الوسطى، صارخة عقولهم قبل ألسنتهم: " أيتها الحرية .. إننا نعشقك " (4).

على هذا النحو انطلقت الحركة الأنسنية قوية فاتحة، وساعد على ذلك اختراع آلة الطباعة، رغم استقبال الأنسنيين لهذا الحدث ببرود يماثل برود استقبالهم لحدث آخر لا يقل أهمية، وهو الاستكشافات الجغرافية. فليس ثمة شك في أن الأنسنيين الثائرين، كانوا أبعد عن أن يبتهجوا باختراع الطباعة! بل انهم عادوها في البداية! ولدينا مثل واضح على ذلك، ضربه لنا فسبزيانو دابستيتشي، وهو أحد ذوي الأفكار النبيلة في القرن الخامس عشر. فمع أن فسبزيانو تُوفي في عام 1498 فقط، أي في وقت كان فن الطباعة قد بلغ فيه درجة طيبة من التقدم، نراه وقد ظل يتوجس من الطباعة إلى نهاية عمره. ليس ذلك فحسب، فقد ذكر فسبزيانو أن واحدا من حماته ونصرائه، وهو الدوق أوربينو، كان يخجل أن يمتلك كتابا مطبوعا. والحق أن هذا الموقف أصبح مستحيلا في القرن التالي، لأن الأنسنيين رأوا أن آلة الطباعة لم تعد عدوتهم، فبفضلها راحت كتبهم تنتشر في كل الأوساط بسرعة البرق. لأنه إذا كان نسخ الكتاب قبل اختراع آلة الطباعة يستغرق أسابيع عديدة أو شهورا، فان طباعته وبمئات النسخ بعد اختراعها أضحت تتم بين عشية وضحاها (5).

وفضلا عما أسداه اختراع آلة الطباعة للحركة الأنسنية من عون، عمد الأمراء الإيطاليون بدورهم لدعم الأنسنيين ماديا ومعنويا. بل وحموهم كذلك من ضغط الكنيسة والعامة! وذلك لأسباب يخرج ذكرها عن نطاق اهتمام المقال الماثل، الأمر الذي ساهم بقوة في دعم الحركة الأنسنية في عصر النهضة، إذ لم يكن أولئك المدعومين سوى الطليعة الثورية للحركة. ففي مدينة فلورنسا التي أنجبت أشهر الرسامين والفنانين، وبفضل مساعدة الأمراء، راح المفكر الأنسني مارسيليو فيشينو يترجم أعمال أفلاطون وتلامذته. وكذلك تشكلت أول أكاديمية علمية في مدينة فلورنسا، هاجر إليها كبار علماء بيزنطة بعد سقوط القسطنطينية على يد محمد الفاتح. وللأسف تعصبت الأكاديمية لفكر أفلاطون إلى حد أنها منعت تدريس فكر أرسطو الذي دخل إلى إيطاليا عن طريق الفلاسفة العرب، كابن سينا وابن رشد. ومن إيطاليا انتشرت الحركة الأنسنية في ألمانيا وهولندا، ومنهما إلى فرنسا. وعندما عارض رجال الدين المسيحي دخول مؤلفات الفلاسفة المسلمين، بحجة أنها آتية من جهة أعداء المسيحية، قال لهم الأنسنيون الثائرون: " هذا الفكر يشكل جزءا لا يتجزأ من التراث الإنساني، ونحن بحاجة إليه، وسوف نأخذ به ونستفيد منه، أيا تكن الجهة التي جاء منها! " (6) .

حقيقة أن المفكر الأنسني في عصر النهضة لم يكن رجلا محيطا بما كتب القدماء، مستمدا وحيه منهم فحسب، بل كان رجلا قد فتن بالقدماء فتونا جعله يقلدهم في حياتهم ويحاكيهم في قناعتهم، ويقتدي بهم في لغتهم وتفكيرهم. ولا جرم أن حركة كهذه متى أوغل فيها أصحابها إلى أقصى حدودها المنطقية، كانت خليقة أن تتجه إلى النيل من رجال الدين المسيحي بحدة وقوة. وهو ما ساعد منذ ذلك الحين على شيوع القول بالتعارض بين الحركة الأنسنية والعقيدة المسيحية في مؤلفات الأنسنيين وكتاباتهم. بيد أن الاستعمال الفلسفي لمصطلح "الأنسنية" يتصف بالحداثة النسبية، ولو أنه برزت خلاله اتجاهات فلسفية عديدة ودقيقة في تعريف المصطلح، التقت جميعها على تثمين الإنسان بوصفه أعلى قيمة في الوجود، غير أنها تفاوتت في إيمانها بقدرته منفردا على تجاوز آلامه وبلوغ طموحاته، تحدوها في ذلك مؤثرات عديدة لا مجال لذكرها أو حتى التنويه عنها. ويعد الرواج العظيم الذي لقيه مصطلح "الأنسنية" مسئولا بشكل أو بآخر عن زيادة الاختلاف في معانيه عند مستعمليه من أصحاب الاتجاهات الفلسفية المختلفة، فضلا عن كونه مسئولا كذلك عن كثرة الاختلاط حول المصطلح، ليس في أذهان العامة فحسب، و إنما لدى كثير من الكتاب والمؤلفين أيضا.

وهو ما حدا ببعض الفلاسفة والمفكرين المأخوذين بما للأنسنية من رونق وجاذبية لبذل جهود حثيثة في صياغة خصائص بعينها لما اصطلحوا على اعتباره "أنسنية عالمية"، اعتقدوا في تجاوزها للاختلافات والتناقضات الواردة في التعاريف المختلفة للأنسنية، إلى جانب اعتقادهم في تمييزها للفلسفة الأنسنية عما عداها من فلسفات. وذهبت تلك الجهود، على تنوعها، إلى أن الأنسنية نهج يحترم الإنسان وينزله المنزلة اللائقة به، فهى تقول بالانسان كأعلى قيمة في الوجود، كما أنها تهدف إلى التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. ففي رحاب الأنسنية لا يوجد سوء تأويل لا يمكن مراجعته وتحسينه وقلبه رأسا على عقب، و لا يوجد كذلك تاريخ لا يمكن استعادته، إلى حد ما، وفهمه بشغف بكل ما فيه من عذابات وإنجازات.

وبعبارة أخرى، تنسف الأنسنية جذريا الأطروحة القائلة بان تبجيل ما هو تراثي أو إتباعي يتعارض حتما مع التجديد المستمر للمعطيات المعاصرة. وإذا اتخذنا التاريخ كمثال، نجد أن الأنسنيين يرونه مسارا غير محسوم، قيد التكوين، لا يزال مفتوحا على حضور الناشئ والمتمرد وغير المستكشف وغير المقدر حق قدره وما يطرحه من تحديات. كما أنهم يرون أن الإنسان هو صانع التاريخ، ومن ثم فهو قادر على اكتناهه عقليا، وفق المبدأ القائل بأننا كبشر ندرك فقط ما نحن صانعوه، أو بالأحرى، نراه من وجهة نظر الإنسان الصانع، فأن تعرف شيئا ما يعني أن تعرف الكيفية التي بها صنع ذلك الشيء.

وطبقا للأنسني الفذ إدوارد سعيد، ليست الأنسنية طريقة لتدعيم وتأكيد ما قد عرفناه وأحسسناه دوما، وإنما هي وسيلة تساؤل وإقلاق وإعادة صياغة للكثير مما يقدم لنا اليوم على أنه يقينات مسلمة، معلبة، مغلقة على النقاش، ومشفرة على نحو غير نقدي، بما فيها تلك الموجودة فيما اصطلح على كونه آراء وأعمال خالدة يجري تغليفها برقائق المحرمات الثقافية. فثمة صعوبة في القول بان عالمنا الفكري والثقافي كناية عن مجموعة بسيطة وبديهية من خطابات الخبراء، فالأرجح انه تنافر مضطرب من المدونات غير المحسومة. ولكل حضارة أن تلبي روحها هذا النهج الأنسني المنشود. ولهذا علينا أن نلتمسه في الحضارات المختلفة، فخصائصه العامة تكاد تكون واحدة بين جميع الحضارات (7).

وباستخدام المعيار الأنسني، يُعد الإنسان أنسنيا (ذاتا أنسنية) طالما أدرك الأنسنية وسعى لتبصير الغير بها، ولم يستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، وكذا يُعد الإنسان ذاتا حتى لو جهل الأنسنية، ولم يُدرك كنهها، أو أعرض عنها، لكنه في تلك الحالة يكون ذاتا مغتربة ثقافيا. فالشائع ـ خاصة في المجتمعات المتخلفة ـ هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وباستخدام المعيار نفسه، يُعد آخرا كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة ثقافيا بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية. والمقصود بالثقافة هنا ما أورده الناقد الأدبي والشاعر الأمريكي المولد والبريطاني الجنسية ت. س. إليوت في مؤلفه ذائع الصيت (ملاحظات نحو تعريف الثقافة)، فالثقافة عنده طريقة حياة شعب معين، يعيش معا في مكان واحد. و تظهر هذه الثقافة في فنون أبناء هذا الشعب، وفى نظامهم الاجتماعي، وفى عاداتهم وأعرافهم، وفى دينهم. و طبقا لإليوت الحائز على جائزة نوبل عام 1948، لا يكون اجتماع هذه الأمور الثقافة، وإن تكلم الكثيرون ـ للتسهيل ـ كما لو كان هذا صحيحا. فهذه الأمور ليست إلا الأجزاء التي يمكن أن تُشرح إليها ثقافة ما، كما يمكن تشريح الجسم البشري. ولكن كما أن الإنسان أكثر من مجموع الأجزاء المختلفة المكونة لجسمه، فكذلك الثقافة أكثر من مجموع فنونها وأعرافها ومعتقداتها الدينية. فهذه الأشياء كلها يؤثر بعضها في بعض، ولكي يفهم المرء واحدا منها حق الفهم يجب أن يفهمها جميعا (8).

أقول إن الشائع ـ خاصة في المجتمعات المتخلفة ـ هو تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة، إراحة لذاته وإرضاء لمجتمعه! وهو في هذا التنازل يكتسب ثقافة ليست ثقافته الحقيقية أو ما يجب أن تكون عليه ثقافته حقا، أي أنه يصبح مستهلكا لثقافة ليست من صنعه. ولعل المصدر الأساسي لالتماس الإنسان راحة ذاته في اغترابه الثقافي، هو ما يلقيه تجار الآلام في روعه، فهم عادة ما يوهمونه بأن اغترابه الثقافي فريضة يوجبها الإيمان الصحيح، ويطلبون إليه التنازل طواعية عن حقه في نقد وتطوير ثقافته، تقربا إلى الله و زلفى! وكذلك يطلبون إليه القبول بتخويل آخرين بأعينهم سلطة ممارسة هذا الحق نيابة عنه وعن غيره، وغالبا ما يستندون في ذلك إلى حجج واهية. وفاتهم أنه لا يستقيم أن يقبل من الإنسان تعطيل أثمن ملكاته وأروعها، فما العقل الإنساني ـ في أكثر الآراء رجحانا ـ إلا قبس الهي يسكن جسد صاحبه، ولولاه لعجز الإنسان عن أداء رسالته، ولظل يضرب في الحياة على غير هدى. وما تعطيل العقل سوى إبقائه قوة محافظة أساسا، تعمل على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ بكل الثقافات السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى التغيير.

وأما التماس الإنسان باغترابه إرضاء مجتمعه، فمرجعه أن تنازل الإنسان عن حقه الطبيعي في نقد ثقافته وتطويرها غالبا ما يتم في مجتمع يصطلح أفراده على تقدير واحترام المغترب، ويلتقون في اعتقادهم الراسخ بأن الثقافة السائدة هي الضمانة الحقيقية لصيانة هويتهم، وأنها أسمى من أن تمتد إليها أيديهم بالنقد والتطوير. فالمغتربون عادة ما يتنازلون بصورة جماعية عن حقهم الطبيعي في نقد ثقافتهم وتطويرها إلى من يرونه أحق منهم بذلك، وأقدر منهم على ارتياد ما يتصورونه طريقا وعرا ومحفوفا بالمخاطر. وغالبا ما يقف الآخر، وأقصد به كما أسلفت كل من يُدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمان تلك الذات من جني ثمار الأخذ بالأنسنية. أقول إنه غالبا ما يقف الآخر وراء إهدار الذات المغتربة للأنسنية، أي وراء عدم أخذ تلك الذات بها، وذلك عبر سعيه المحموم لتكريس الاغتراب الثقافي للذات بكل ويلاته.

والحق أن الآخر ـ خاصة في المجتمعات المتخلفة ـ لم يكن ليبلغ لبانته لولا وجود آليات بعينها تعينه على أمره. فالاغتراب في حاجة لدعم دائم من سدنته، وليس هناك ما هو أكثر ضمانا لديمومته من وجود دعم مؤسسي دائم ومنتظم له. فبدون مثل ذلك الدعم يصير من الصعوبة بمكان الحفاظ على الرسوخ الدائم لفكرة الاغتراب في الأذهان. وغالبا ما تتخذ الصيغة المؤسسية أشكالا مختلفة، فالمؤسسية التي يقصدها الكاتب لا تعني بالضرورة بنايات ضخمة وجيش عرمرم من الموظفين وزخم بيروقراطي، ولكنها تتراوح ما بين تلك البنايات المهيبة وبين شخصيات بعينها، يُصيرها سدنة الاغتراب بحرفيتهم الدعائية ومهارة ترويجهم للاغتراب رموزا شبه مقدسة، يزعمون أن الباطل لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها، وهو ما يُيسر انقياد المغتربين إليها انقيادا أعمى.

وكما أن الصيغة المؤسسية تتخذ أشكالا مختلفة، يتسع نشاط تلك المؤسسات المعنية ليشمل مجالات عديدة. فتكريس الاغتراب الثقافي للذات لا يتم فقط عبر آليات محدودة كما قد يتوهم الكثيرون، ولكنه يتم عبر آليات عديدة ومتنوعة منها البوليسي، والتعليمي، والإعلامي، إلى جانب ما اصطلح على تسميته بالديني، نسبة إلى الدين والدين منه براء. ولا يعبر اقتصار جهود الكاتب على تعرية آليات بعينها عن قناعة الكاتب بكونها الأكثر سهولة في الرصد، بقدر ما يُعبر عن قناعته الراسخة بأنها الأكثر فعالية في ترسيخ الاغتراب في ذهنية الذات. ولنا أن نتصور كيف يغدو الاغتراب الثقافي زائرا ثقيلا حين تعوزه مثل تلك الآليات التي تفرضه أحيانا وتحببه أحيانا أخرى إلى الضحايا الأبرياء، فتصوره لهم على أنه إكليل غار فوق رؤوسهم. وفيما يلي رصدا موجزا لبعض أهم آليات تكريس الاغتراب الثقافي للذات (9):

[1] مؤسسات العنف: لا يكاد مجتمع مغترب يخلو من مؤسسات العنف، باعتبارها حائط الصد الأكثر فعالية في حماية الآخر من غضبة الذات. إلا أن تلك الوظيفة و غيرها من الوظائف الأخرى التي تشتهر مؤسسات العنف في المجتمعات المغتربة بالأداء المتميز لها، لا تعدو كونها ستارا فولاذيا يخفي وراءه وظيفة أكثر خطورة وأشد وطأة، ألا وهي الإجهاض الوقائي لأية محاولة ـ مهما بلغت ضآلتها ـ لقهر الاغتراب الثقافي وتحرير الذات من نيره الثقيل. والمعتاد أن تؤدى مؤسسات العنف تلك الوظيفة عبر الترويع الدائم للبسطاء وغيرهم بدعوى الحفاظ على تلك المجتمعات، وكأن المجتمعات لا تُصان إلا بإهدار آدمية البسطاء وتغريبهم ثقافيا. فالتجربة الإنسانية قد أثبتت أن الترويع الدائم للإنسان جعل منه ـ ولا يزال ـ فريسة سهلة للاغتراب الثقافي. وللأسف الشديد، يتورط بعض البسطاء في ارتكاب العنف، بحكم انخراطهم في مؤسسات العنف، حيث يجب أن يكون هناك من يرغب ومستعد لتطبيق السياسات نيابة عن الآخر.

[2] مؤسسات التلقين الإعلامي: أدت سيطرة الآخر في مجتمعات بعينها، خاصة المجتمعات المتخلفة، على وسائل الإعلام إلى حرمان الغالبية العظمى من أبناء تلك المجتمعات من التعبير عن آرائهم ومواقفهم، وبالتالي تكريس اغترابهم الثقافي. ورغم أنه لا يوجد إجماع في تلك المجتمعات على تحديد دور ومسئوليات الصحافة ووسائل الإعلام، إلا أن الممارسات العملية طرحت رؤية موحدة، وإن اختلف مضمونها اختلافا نسبيا. و تحدد هذه الرؤية الدور الأساسي للصحافة وسائر وسائل الإعلام في ضرورة استخدامها كأداة في يد الآخر، وذلك للقيام بدور الشرح والتفسير والتأييد لقراراته، أكثر من كونها أداة للنقد والتطوير الجادين. ويلاحظ بصورة عامة أن الآخر يعتبر أي نقد موجه له على أنه مُوجه للمجتمع كله، بزعم الدفاع عن النظام العام وأمن المجتمع، وهما من المفاهيم المطاطة التي تستخدم على نطاق واسع في شتى أنحاء المجتمعات المتخلفة. مما ترتب عليه غياب الرؤية النقدية الحقيقية، سواء في أجهزة الإعلام أو لدى المسئولين أو بالنسبة لتلك المجتمعات المقهورة المشار إليها.

[3] المؤسسات التعليمية: تُعد المؤسسات التعليمية بكافة أشكالها واحدة من أهم وأخطر آليات تكريس الاغتراب الثقافي في المجتمعات المتخلفة، إن لم تكن أخطرها على الإطلاق. فالرحلة التعليمية عادة ما تبدأ بتهيئة الطفل لدخول نفق الاغتراب المظلم، عبر منهج منظم وصارم. وقد تتكفل الأسرة أحيانا بإنجاز تلك المهمة البائسة، فيدلف الطفل إلى مدرسته وقد هُيئ تماما لحياة الاغتراب الثقافي. غير أن الأكثر شيوعا أن تتضافر جهود الأسرة والمدرسة في تهيئة الطفل في سنواته المبكرة لأن يصبح مغتربا ثقافيا، فالوالدان المغتربان غالبا ما لا يدخران جهدا في تلقين وليدهما أبجديات الاغتراب في سن مبكرة، والأرجح أنهما يسقياه إياها مع لبن الأم ، دون أن يدركا ـ بالطبع ـ مدى جنايتهما على وليدهما، لاعتقاد راسخ لديهما بحتمية تأهيله للتعاطي الكفء مع ذاته ومع مجتمعه المغترب. وفاتهم أنهم بذلك يدمرون قدراته النقدية والإبداعية ويحيلونه مسخا مشوها، لا سلطان له على ثقافته، فلا يملك لها نقدا ولا تطويرا. ثم لا تلبث المأساة أن تكتمل عندما تضطلع المؤسسات التعليمية الأخرى بمهمة تكريس هذا الاغتراب وترسيخه .

وقد يقدح تجار الآلام في صحة ما ذكرنا، فيحتجون بمعدلات الأمية المرتفعة في المجتمعات المتخلفة، ويتخذون منها حجة لدحض قول الكاتب بأن المؤسسات التعليمية تكاد تكون أهم آليات تكريس الاغتراب الثقافي وأخطرها. ولهؤلاء أقول أن الاحتجاج بارتفاع معدلات الأمية مقولة حق أُريد بها باطل. فالكاتب لم يقصد بمصطلح المؤسسات التعليمية الإشارة للمدارس والجامعات والمعاهد فحسب، ولكنه قصد أيضا الإشارة إلى بيت الأسرة باعتباره المؤسسة التعليمية الأولى والأكثر تأثيرا في الطفل. وهو ما يدحض مزاعم المشككين في مسئولية المؤسسات التعليمية عن تكريس الاغتراب في المجتمعات المتخلفة، استنادا إلى ارتفاع معدلات الأمية. علاوة على ذلك، تثبت الخبرة الإنسانية ـ يوما بعد يوم ـ أن الأمية نفسها تجبر صاحبها وتؤهله تلقائيا لدخول نفق الاغتراب المظلم، فالأمي غالبا ما يفتقد القدرات اللازمة لتمكينه من تجنب الاغتراب الثقافي أو قهره، وذلك لأسباب عديدة، أهمها اعتماده الدائم في المعرفة على المغتربين المحيطين به، إلى جانب ركونه الدائم في استقاء معلوماته إلى الوسائل المسموعة والمرئية، التي تخضع بدورها لسدنة الاغتراب كما أسلفنا. وأخيرا، ألا يجوز القول بأن ارتفاع معدلات الأمية مقصودا لذاته، فمن يجني ثمار أمية البسطاء غير الآخر؟ ثم، أليست الأمية وسيلة رخيصة وسهلة لتكريس الاغتراب الثقافي، على خلاف المؤسسات التعليمية التي يتطلب نهوضها بتلك المهمة جهودا كثيرة و نفقات باهظة ؟! على أية حال، يظل الكاتب على قناعته بأن المؤسسات التعليمية في المجتمعات المتخلفة، بما تنتجه من تعليم رديء، تساعد بقوة على الزج بمزيد من الضحايا الأبرياء في نفق الاغتراب المظلم، وتحول بإصرار لا يكل دون خلق أجيال جديدة قادرة على هدم حائط الاغتراب الصلد الذي يحول بين المغتربين وبين استرداد حقهم الطبيعي في امتلاك ثقافة حرة ومتطورة.

[4] محترفو التبرير الديني: لعل في حيرة المرء وتردده إزاء صياغته لهذه الجزئية المهمة والخطيرة، دليلا حيا على عمق مأساة الاغتراب الثقافي و خطورتها، فالمرء يخشى ـ والحق معه ـ أن يجد تجار الآلام، وما أكثرهم في كل زمان ومكان، سبيلا إلى تحريف مضمون كلماته والعبث بها، خاصة وأن لهم خبرة لا يستهان بها في التعاطي مع المغتربين وخلط الأوراق أمام عيونهم، على نحو مذهل ومتفرد، قلما توفرت لغير الآخر. فهيهات أن تجد إنسانا غير مغترب يرفل في غلائل بالية، وهو بها راض، لا يطيق لها تبديلا! وهيهات أن تجد إنسانا غير مغترب يحسب مأساته فردوسا، يُقاتل من أجله حتى الموت! وهو ما يقوم دليلا على مهارة وحرفية الآخر في هذا الصدد. يقول الكاتب هذا وفى نفسه غصة لا شفاء منها، فما أسهل أن يدير القارئ البريء ظهره لكلماته تلك، استجابة لغواية تجار الآلام وزعمهم الماكر بتعارضها مع المقدسات. فأي مقدسات تلك التي تبيح لهم الزج بالأبرياء في آتون الاغتراب وترسيخهم الآثم في أذهانهم أن المألوف هو دائما الحق وأن مخالفة الآراء الشائعة لا يجوز، حتى لو ثبت خطأها؟!

أقول إن الآخر في كل بقعة مغتربة يبدي حرصاً محموما وصارماً على توفير الغطاء الديني لممارساته، بغض النظر عن مشروعية تلك الممارسات، مستغلا في ذلك انصياع تجار الآلام المتشحين بعباءة الدين لتوجيهاته. فلا يكاد يوجد آخر ، إلا وقد أحكم قبضته على حظ طيب ممن يعتبرهم البسطاء رموزاً دينية. لإدراكه أنه بدون تبرير هؤلاء لممارساته، يغلي مرجل الغضب في صدور البسطاء، ويصبح وجوده مهدداً. ولعل الاغتراب الثقافي يتجلى أكثر ما يتجلى في الانقياد الأعمى من جانب المغتربين لدعاوى أولئك التجار الذين يخدمون بدورهم مصالح أسيادهم، حتى لو جاء ذلك على حساب آلام المغتربين وأوجاعهم. ونظرا لما يُحيط به الآخر هؤلاء التجار من أسباب الإجلال والتكريم، بزعم صلاحهم وتقواهم، يبيت عسيرا النيل من مصداقيتهم في عيون المغتربين، لدرجة تجعل أية محاولة للتشكيك في تلك المصداقية جريمة مخزية، يدفع صاحبها ثمنها غاليا. فغالبا ما يُغري الآخر المغتربين بذلك البائس فيذيقونه الهوان أصنافا، أو يتكفل هو به، وساعتها يجنى الآخر الثناء الجزيل من المغتربين! وغالبا لا يكتفي الآخر بأولئك التجار، فيعمد لإحكام سيطرته على مؤسسات دينية بعينها.

على أية حال، يرى الكاتب فيما سبق ذكره مدخلا ملائما للقول بأن تطور التاريخ الإنساني لا يعدو كونه نتاجا لصراع ثقافي معقد، أطرافه الذات الأنسنية والذات المغتربة والآخر. أقول صراعا ثقافيا، استنادا لتعريف إليوت الأنثروبولوجي للثقافة ـ السابق ذكره ـ بأنها طريقة شاملة للحياة، وهو ما يعني كون الصراع أعم وأشمل منه عند الماركسيين، فاحتياجات الإنسان كما أسلفنا ليست مادية فحسب، فهي تتجاوز الاحتياجات المادية، على خطرها وأهميتها. وأقول صراعا معقدا، لتعدد جبهاته وتداخلها، فهناك الصراع بين الذات الأنسنية الساعية لتبصير الذات المغتربة بالأنسنية وتعرية دور الآخر في تكريس اغترابها، وبين الآخر المدرك للأنسنية والحريص على الحيلولة دون نجاح الذات الأنسنية في إقناع الذات المغتربة بالتخلي عن اغترابها، وكذا الحريص على الحيلولة دون أخذ الذات المغتربة نفسها بالأنسنية كنهج حياة، وهو صراع مؤلم، لا يتورع الآخر فيه عن استخدام أو إغراء الذات المغتربة باستخدام كافة الوسائل المستترة وغير المستترة لحسمه لصالحه. وهناك أيضا الصراع بين الذات الأنسنية والذات المغتربة، وهو صراع عدائي من جانب واحد، هو جانب الذات المغتربة، يغذيه الآخر كما أسلفنا ويؤججه، فهو يُلقي في روع الذات المغتربة أن قهر اغترابها يعني محو هويتها، وأن جهود الذات الأنسنية لحثها على قهر اغترابها والأخذ بالأنسنية، ليست سوى ممارسات عدائية في حقها، ترمي لمحو هويتها الثقافية.

والمأساة أن مهارة الآخر في هذا المضمار لا تُبارى، فهو دائما ما ينجح في تكريس اغتراب الذات واستعدائها على الذات الأنسنية، والذاكرة الإنسانية مليئة بالحوادث المؤكدة لذلك، وهي حوادث دموية ولاإنسانية في مجملها، يندى لها الجبين الإنساني. ولا غرو أن مأساة انقسام الذات على نفسها تضع المراقب في حيرة من أمره. فالجزء الأكبر من الذات يجهل أو يُعرض عن الأنسنية ويُباهي باغترابه الثقافي ويُعول في خلاصه على الآخر، بينما يتكبد الجزء الأصغر من الذات والمهمش دوما آلاما قاسية، فهو يدرك الأنسنية ويسعى جاهدا لتبصير الذات بضرورة الأخذ بها كنهج حياة، لكنه يواجه شراسة الآخر الذي غالبا ما يُوكل مهمة التنكيل به إلى الذات المغتربة! وهو ما يُسهم بدوره في تعقيد الصراع.

والتاريخ الإنساني الذي يرويه ـ في أغلب الأحيان ـ الآخر القوي ويلقنه للذات المغتربة الضعيفة في دأب وجلد يُحسد عليهما، لا يمل استعداء المغتربين على تلك النفوس النبيلة، التى تظهر في لحظات أو حقب متناثرة عبر العصور المختلفة، وتأبى إنسانية أصحابها ألا تستأثر لنفسها ـ أقصد تلك النفوس النبيلةـ بإدراك الأنسنية، وألا ترفل وحدها في غلائل ذلك الإدراك، في وقت تشقى فيه الذات المعذبة باغترابها، فنراها تعمل جاهدة على تعرية الآخر وتبصير الذات المغتربة بالأنسنية ومزايا الأخذ بها كنهج حياة، هادفة بذلك لرفع نير الاغتراب عن كاهلها، وتعليمها أن آلامها ليست قدرا محتوما و إنما هي صناعة أيديها وأيدي الآخر. وهو ما يدفع الآخر، وما أقواه في كل زمان ومكان، لمناصبة تلك النفوس النبيلة والطاهرة العداء والتنكيل بها علاوة على اتهامه لها بكل رذيلة وإلحاق ذكرها بالاستهجان والإدانة و السب، حتى يهيئ للمرء أنها شياطين في صيغة بشرية، والحق أن أصحابها أشرف من وطأت أقدامهم ظهر الأرض.

إنهم أنسنيون أبت عليهم نفوسهم النبيلة مشايعة الآخر في إثمه، فراحوا يبشرون بالأنسنية كيفما تسنى لهم، وراحوا كذلك يُعرون الآخر، لترى الذات المغتربة قبحه، المستتر وراء منطقه الكاذب وكلماته المعسولة. ومن المضحكات المبكيات أن هؤلاء الأنسنيين وقد قاموا في العصور المختلفة يحدون الذات المغتربة نحو قهر اغترابها وخلاصها، لم يسلموا من أذاها! فعجبا لمحكوم بالإعدام ينتصر لجلاده ويموت دونه! وعجبا لجلاد يغري ضحيته بصلب من ينشد خلاصها! الحق أن الآخر أجاد وأبدع أيما إبداع، حتى أن المغتربين دائما ما يعولون عليه في خلاصهم! ولا عجب ، فآليات تكريس الاغتراب الثقافي تعمل ليل نهار بلا هوادة ولا رحمة، غير آبهة بعذابات الضحايا وأنينهم. فكأني بالاغتراب إلها لا يرتوي إلا بدموع المغتربين ودماءهم! وكأني بالآخر كاهنا مخلصا في معبد إله الاغتراب ، يتحدث باسمه ، ويحض المغتربين على طاعته، إلى جانب تحذيره إياهم من مغبة عصيانه والتمرد على أوامره ونواهيه!

وإذا كان الماركسيون يتحدثون عن الوعي بالصراع الطبقي، أي إدراك من لا يملك لحتمية الصراع بينه وبين من يملك كجوهر للماركسية، فللأنسنيين أن يتحدثوا بدورهم عن الوعي بالصراع الثقافي كجوهر للأنسنية، وأقصد بذلك الوعي إدراك الذات الأنسنية لمساعي الآخر الرامية لتعمية الذات المغتربة عن الأنسنية، وكذا إدراكها لجهل أو إعراض الذات المغتربة عن الأنسنية ودفاعها عن اغترابها وتعويلها على الآخر في خلاصها. فالصراع الثقافي، شئنا أم أبينا، قائم وحتمي بين الذات الأنسنية وبين غرمائها على اختلافهم، سواء تمثلوا في الآخر الآثم الذي يُدرك الأنسنية ويُؤثر نفسه بثمارها ويعمل جاهدا على تعمية الذات المغتربة عن الأخذ بها كنهج حياة، أم تمثلوا في الذات المغتربة التي تجهل أو تعرض عن الأنسنية وتدافع عن اغترابها الثقافي وتُعول على الآخر في خلاصها. بيد أنه على خلاف الماركسية القائلة بأنه لا مكان في انتصارها لمن يملك، نقول إن في انتصار الأنسنية مُتسع للجميع، ففيه تأخذ الذات المغتربة بالأنسنية كنهج حياة، وتقهر بذلك اغترابها الثقافي، أما الذات الأنسنية المنتصرة فلسوف تكتفي بتجريد الآخر من أُخرويته وتمنحه عفوا كريما، فهي لا تعادي الآخر ولا تكرهه، ولكنها تعادي أخرويته وتحرص على تجريده منها، ليصبح بدوره ذاتا أنسنية نبيلة، تأخذ بالأنسنية وتعمل على تبصير الغير وحثه على الأخذ بها.

وفي صراعها الثقافي مع الأخروية والاغتراب، يُناط بالذات الأنسنية تدعيم جبهتها في مواجهتهما، بشتى السبل والوسائل المتاحة، فالأخروية هي السادن القوي والعنيد للاغتراب الثقافي للذات، وفي غيابها قد يجد الأنسني سهولة نسبية في التعاطي مع الاغتراب وحث المغتربين على قهره وتبني النهج الأنسني. ورُب قائل وماذا عن قوة الدفع الذاتي للاغتراب؟ وهل هي أقل خطرا من الأخروية؟ الحق أن الاغتراب والأخروية من الخطورة بمكان، غير أن الآخر بجهوده الحثيثة والعدائية في مواجهة الذات الأنسنية، يكون أشد وأنكى، فهو يسعى لتحطيم تلك الذات النبيلة، ليُفقد الأنسنية جهودها، كما أنه يحول بينها وبين تبصير الذات المغتربة بضرورة قهر اغترابها الثقافي، الأمر الذي ينال بقوة من فرص رأب صدع الذات تحت راية الأنسنية. ويظل تقرير الأولوية الواجب على الذات الأنسنية الأخذ بها في ذلك الصراع الثقافي، محكوما بالأوضاع التي يحيا الأنسنيون في كنفها، وقدرتهم على تحديد أولويات الكفاح الأنسني.

وثمة علاقة وطيدة بين دعم الأنسنيين لجبهتهم في مواجهة الأخروية والاغتراب الثقافي وبين بناء الذات الأنسنية، فمن شأن دراسة الكيفية التى يتم بها الفعل الأخير تعميق معرفتنا بهؤلاء الأنسنيين، علاوة على تعميق معرفتهم بأنفسهم فى مواجهة أولئك الذين يُناصبونهم العداء ويرمون لإجهاض مساعيهم النبيلة لإحراز نصر فيه مُتسع للجميع، مُتسع للضحية وذلك برفع نير الاغتراب عن عنقها، ومُتسع للجلاد وذلك بتجريده من أسباب جرمه ومنحه عفوا كريما. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة .. ماذا يعني بناء الذات الأنسنية؟! هل يعني ما يعنيه الدوجماطيقيون حين يعمدون لتعاليم بعينها يُلقنون أنصارهم إياها ويُعدونها قبسا من الحقيقة المطلقة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أو بمعنى أدق يُعدونها حقيقة مطلقة، لا مندوحة عن اعتقاد الإنسان فيها وإغلاق عقله دون ما عداها، ناسين أو متناسين أن أقصى ما يطمح إليه الإنسان إزاء الحقيقة المطلقة هو إعمال العقل في نشدانها، لا امتلاكها. وكيف لا؟! والبائن كما ذكرنا آنفا أنه قد حيل بينه وبين إدراكها بحجاب صلد ليس يمزقه سوى الموت!!

أم تُرى بناء الذات الأنسنية يعني ما يعنيه الشكاك، حين يعمدون لهدم كل القيم والفضائل وتصوير الحياة قفرا موحشا، لا سبيل فيه أمام الإنسان لتثمين إنسانيته و إقامة مملكة السلام على الأرض. الحق أن الكاتب يذكر أنه مر يوما بتجربة تعضد القول بقسوة نهج الشكاك ولا إنسانيته، فقد عمد أحدهم يوما في حضوره لهدم كل ما حواه رأس صاحبه من أفكار وقيم، فبدت في عين الأخير نظرة فزع وهلع وقال لمحدثه في ذهول: " ما تفعله شئ مرعب ومخيف!". حينئذ تأكد للكاتب مدي تعارض نهج الشكاك مع إنسانية الإنسان، كونه مؤهلا بطبيعته للاعتقاد فيما يبعث في نفسه الأمن والسكينة. وأراني ما قصدت بقولي هذا نزوعا طبيعيا في الإنسان إلى السكون والجمود، و إنما قصدت نزوع الإنسان إلى الأنسنية، وهي ثورة عقلية دائمة، لا تُفزع صاحبها، بل تُمتعه وتُقويه بما تمنحه له من ثراء عقلي، يشبه الثراء الجسدي لدى الرياضيين. وحدوثها يعني أن العقل لم يعد قوة محافظة أساسا، تعمل على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ الحرفي بالثقافات السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى التغيير.


الجدول رقم (1)
مقارنة الصراع في الأنسنية بنظيره في الماركسية

وجه المقارنة الماركسية الأنسنية
الجوهـــــر الوعي بالصراع الطبقي الوعي بالصراع الثقافي
خصائص الصراع اقتصادي/بسيط/ساخن ثقافي/معقد/بارد
أطراف الصراع الذات التي لا تملك وسائل
الإنتاج، و الآخر الذي يملك
وسائل الإنتاج الذات الأنسنية، والذات المغتربة التي تجهل أو تعرض عن الأنسنية وتدافع عن اغترابها الثقافي وتعول على الآخر في خلاصها، والآخر الذي يدرك الأنسنية ويؤثر نفسه بثمارها ويعمل جاهدا على تعمية الذات المغتربة عن الأخذ بها.
هدف الصراع انتصار الذات
البروليتاريه، وهو انتصار ليس فيه متسع لسواها، فانتصار الذات البروليتاريه يعني بالضرورة سحق الآخر البرجوازي
والقضاء عليه. انتصار الأنسنية، وهو انتصار فيه متسع للجميع، ففيه تأخذ الذات المغتربة بالأنسنية كنهج حياة، قاهرة بذلك اغترابها الثقافي، وكذا تكتفي الذات الأنسنية المنتصرة بتجريد الآخر من أخرويته وتمنحه عفوا كريما، فهي لا تعاديه ولا تكرهه، ولكنها تعادي أخرويته.

ويعضد التوضيح الأخير قولنا السابق بأهمية، بل حتمية النأي بالأنسنيين عما يفعله الدوجماطيقيون، حين يعمدون لتعاليم بعينها يُلقنون أنصارهم إياها ويُعدونها قبسا من الحقيقة المطلقة لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. إضافة إلى تعضيد التوضيح نفسه حتمية النأي بالأنسنيين عما يعمد إليه الشكاك حين يهدمون كل القيم والفضائل ويصورون الحياة قفرا موحشا، لا سبيل فيه لتثمين إنسانية الإنسان و إقامة مملكة السلام على الأرض. وأراني قانعا بأن بناء الذات الأنسنية لا يعني سوى صياغتها بما يسمح لها بتحقيق أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقوالها وفعالها، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين للأنسنية القائلة بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص العامة للأنسنية (10):

[1] الخاصية الأولى: معيار التقويم هو الإنسان
أول ما تمتاز به الأنسنية هي أنها تبدأ فتؤكد أن معيار التقويم هو الإنسان، عبر ما يمليه حسه الإنساني من قوانين، وهو قول يجب أن يُفهم في سياقه الأنسني الحقيقي، لا بالمعنى المبتذل والفاسد الذي يُضاف إليه عادة عند تجار الآلام، فهم يدعون أنه لا أنسنية بدون وضع الإنسان في مقابل الإله، ناسين أو متناسين أن الإنسان ـ في أكثر الآراء شيوعا ـ هو وجه الإله على الأرض وأنه ما انتقل من دور البربرية والوحشية إلى دور التحضر والمدنية إلا عن طريق القوانين. بيد أن هذه القوانين ليست قوانين مفروضة من الخارج، وإلا لكان في ذلك قضاء مبرما على الفردية، إنما هذه القوانين هي ما يُمليه الحس الإنساني العام . ففيها إذن تتمثل الفردية، من ناحية، على أساس أن العقل الإنساني هو الذي يُشرعها أو أن الناس هم الذين شرعوها، ومن ناحية أخرى يتمثل فيها شئ من كبح جماح الفردية، لأن هذه القوانين يجب أن يخضع لها الجميع. وبعبارة أخرى، لا يُعد القول بكون معيار التقويم هو الإنسان تأليها للإنسان، فليس في الأنسنية تأليه لإنسان وإعجاب به وحماس له إلى حد جعله الكائن الأوحد والسيد المطلق. وإنما فيها الانتصار لذلك الكائن النبيل والحيلولة دون سعي تجار الآلام لاسترقاقه وتصييره دابة تعلف في زريبة الآخر، وأقصد بالآخر هنا ـ كما أسلفت ـ كل من يعمد لتعمية الذات، أيا كانت هويتها أو انتمائها، عن الأنسنية.

[2] الخاصية الثانية: الإشادة بالعقل ورد التطور إلى ثورته الدائمة
ذكرنا آنفا أن أول ما تمتاز به الأنسنية هي أنها تبدأ فتؤكد أن معيار التقويم هو الإنسان، والسؤال الذي يطرح نفسه.. كيف للإنسان أن يضطلع بتلك المهمة الشاقة والعسيرة ؟! لعمري انه العقل .. ذلك القبس الإلهي ـ طبقا لهيجل (**) ـ الذي يسكن أجساد البشر! إن ثورته الدائمة سبيلهم المتاح لتطوير الحياة وإدراك الحقيقة. أقول الحقيقة ولا أقول الحقيقة المطلقة، فهي محجوبة وهيهات للعقل البشري أن يدركها وان تصور خلاف ذلك، إذ أن الإنسان لا يملك حيالها سوى أن يرخي جفنه ويركن إلى هذا الجانب أو ذاك. لذا، تصر الأنسنية على أن تضع موضع الاعتبار كل ما في العقول الفردية من خصب وثراء وثورة بدلا من محاولة ضغطها جميعا في طراز واحد من "العقل" يقال عنه أنه واحد لا يتغير. والأنسنية كذلك تحسب حسابا للثروة النفسية لكل عقل إنساني، وتُعنى بوفرة اهتماماته وعواطفه ونزعاته ومطامحه. ولا شك أنها بعنايتها هذه تُضحي بكثير من البساطة المضللة التي تبدو في الصيغ المجردة، ولكنها تُقدر وتُوضح جمعا غفيرا مما أغفله الناس فيما مضى ونظروا إليه على أنه وقائع غير مفهومة.. على أية حال، تظل الإشادة بالعقل ورد تطور حياة الإنسان إلى ثورته الدائمة إحدى الخصائص المهمة للأنسنية. وثورة العقل تعني أنه لم يعد قوة محافظة، تعمل على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ الحرفي بالثقافات السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى التغيير. حتى أن الأنسني مطالب بأن يضمر عداء أبديا لكل صورة من صور الطغيان أو السيطرة على عقل الإنسان، ليتسنى لنا معشر البشر ردع تجار الآلام وحرمانهم من المتاجرة بآلامنا.

[3] الخاصية الثالثة: تثمين الطبيعة والتعاطي المتحضر معها
مادمنا قد استخلصنا مكانة الإنسان في الأنسنية، بجعلها إياه معيار التقويم وإشادتها بعقله ورد التطور إلى ثورته الدائمة، فقد بقي علينا أن نقوم بحركة مد وعود إلى الخارج، لا لكي يفنى فيه الإنسان من جديد، بل ليؤكد نفسه فيه ويفرضها عليه. والإنسان في هذا الاتجاه إلى الطبيعة يخضع لعامل غزو الذات للموضوع بفرضها قيمها عليه واستخدامه كأداة لتحقيق إمكانياتها، بوصفه عالم أدوات. ومن هنا كانت الخاصية الثالثة للأنسنية هي تثمين الطبيعة والتعاطي معها بتحضر ورقي. غير أنه منوط بنا أن نفهم جيدا الفارق بين هذا الاحترام الأنسني للطبيعة، وبين عبادة الطبيعة عند الشعوب البدائية. فتثمين الأنسني للطبيعة وتعاطيه المتحضر والراقي معها إنما ينبع من اعتقاده الراسخ بكونها منحة سخية، فضلا عن كونها ضرورة ملحة لإدامة الوجود الإنساني، أما الشعوب البدائية فتذهب في تعاطيها مع الطبيعة إلى تأليهها، رهبة وخوفا من جبروتها، وشتان ما بين الأمرين.

[4] الخاصية الرابعة: القول بأن التقدم إنما يتم بالإنسان نفسه
رغم وجاهة القول بأنه لا يمكن التقدم بالإنسان حتى يصل إلى درجة الكمال وحتى تختفي الآثام والآلام من وجه الأرض، إلا أنه يُناط بالأنسني الاعتقاد بأنه يمكن للإنسان أن يتقدم كثيرا، وأن ذلك إنما يتم بالإنسان نفسه وقواه الخاصة، لا بقوة خارجية أو عالية على الكون، ففي هذا أكبر تأكيد لجانب العقل والنشاط والتحقيق الخارجي في الذات الإنسانية. وليس ثمة تعارض كما قد يبدو للوهلة الأولى، فإثابة المجتهد على اجتهاده سنة كونية، حق علينا ـ معشر البشر ـ الانصياع لها. غير أن تجار الآلام، وما أكثرهم في كل زمان ومكان، يحلو لهم محاجة القول بقدرة الإنسان على إحراز التقدم استنادا لقواه الخاصة، عبر المزايدة على تلك السنة الكونية، وذلك بزعمهم أن التقدم إنما يتم حتما بقوة خارجية وليس بقوى الإنسان الخاصة، وهو أمر تعوزه الصحة ويتعارض مع المنطق السليم. إذ أن الإنسان ـ كما أسلفنا ـ هو في أكثر الآراء شيوعا وجه الإله على الأرض، منحه خالقه قبسا إلهيا هو العقل، كي يضرب به في مجاهل الحياة، ويحفظ به عليه وجوده. وأراني لا أتجاوز الحقيقة حين أقرر بضمير مطمئن أن حاكمية الإنسان لا تعدو في جوهرها كونها التزاما صارما بما يطلق عليه الحاكمية الإلهية. فنحن معشر البشر محكومون حكما غير مباشر عبر عقولنا التي منحنا إياها، والتي لولاها لهلكنا أو على الأقل ظللنا نضرب في مجاهل الحياة على غير هدى.

[5] الخاصية الخامسة: تأكيد النزعة الحسية الجمالية
إن العقل الذي تشيد الانسنية به وترد التطور إلى ثورته الدائمة ليس ذلك العقل الجاف المجرد التفكير الذي يشبه آلة تنتج تصورات شاحبة غادرتها الحياة، مثل العقل الاسكلائي التائه في بيداء الديالكتيك الأجوف والأقيسة العقيمة (***)، بل هو الوعي الكامل للذات الإنسانية في مواجهتها للموضوعات الخارجية، وهو لهذا يواكب العاطفة ولا يعاديها، ويتكئ على الحس العيني الحي. ولهذا تمتاز تلك النزعة بخاصية خامسة هي النزعة الحسية الجمالية التي تميل إلى الرجوع إلى العاطفة واستلهامها إدراك الوجود في بعض أنحائه. واغلب الظن أن الحديث عن هذه الخاصية لا يتحمل مزيد من التفسير والشرح، وإلا كنا ندفع أبوابا مفتوحة على مصاريعها .

وقد يكون ملائما ونحن بصدد الحديث عن كيفية بناء الذات الأنسنية، إحالة القارئ الكريم للمعالم المذكورة في كتابه (الإنسان هو الحل)، والتي لم يوردها الكاتب بطبيعة الحال على سبيل الحصر، و إنما أوردها على سبيل المثال، بوصفها التجسيد الحي النابض لما يتصوره نهجا أنسنيا واعدا، يُناط بالذات الأنسنية الاسترشاد بأصحابه، وليس مُحاكاتهم، في رحلتها الشاقة والممتعة في درب الأنسنية الصعب، وكذا في سعيها الدؤوب لفتح مجالات جديدة للكفاح الإنساني. فقد رمت تلك المعالم الأنسنية، وأقصد بها إدوارد سعيد وإقبال أحمد وفرانز فانون، لكل ما ترومه النفس الإنسانية المتوثبة، حين ترق، فتكشف لناظرها عما يجول في صدرها من نبل ونقاء. ولسوف يجد القارئ الكريم في ثلاثتهم ما يعينه على تفهم قولنا بأن بناء الذات الأنسنية لا يعني سوى صياغتها بما يسمح لهاـ كما أسلفنا ـ بتحقيق أكبر قدر ممكن من التطابق بين أقوالها وفعالها، شريطة انطواء تلك الأقوال والأفعال على تثمين للأنسنية القائلة بالإنسان كأعلى قيمة في الوجود، وهدفها الماثل في التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية. وكذا شريطة وقوع تلك الأقوال والأفعال في إطار الخصائص العامة للأنسنية التى فرغنا توا من ذكرها.

بيد أنه من الضروري التأكيد على أهمية مسألة استرشاد الذات الأنسنية المنشود بنائها بالمعالم المذكورة، وليس المحاكاة الحرفية لها، فالأنسنية ـ كما أسلفنا ـ لا تسعى لقولبة العقول أو استنساخها على النحو الذي يفعله الدوجماطيقيون، و إنما تُصر اصرارا صارما على أن تضع موضع الاعتبار كل ما في العقول الفردية من خصب وثراء وثورة بدلا من محاولة ضغطها جميعا في طراز واحد من "العقل" يُقال عنه أنه واحد لا يتغير. وكذلك تحسب الأنسنية حسابا للثروة النفسية لكل عقل إنساني، وتعنى بوفرة اهتماماته وعواطفه ونزعاته وطموحاته. ولا شك أنها بعنايتها هذه تضحي بكثير من البساطة المضللة التي تبدو في الصيغ المجردة، ولكنها تُقدر وتوضح جمعا غفيرا مما أغفله الناس فيما مضى ونظروا إليه على أنه وقائع غير مفهومة، وهو ما يشي باحترامها للفرد وثمينها للاختلافات الفردية.

والآن، أما وقد تعرفنا على الاختلاف البين بين ما يعنيه بناء الذات الأنسنية، وبين ما يرمي إليه الدوجماطيقيون من تلقين لأتباعهم وما يرمي إليه الشُكاك من هدم لكل ما تحويه الرؤوس، يبيت لزاما تذكير القارئ الكريم بما يتسم به نهج الأنسنيين من نزوع لإثارة العواصف الفكرية وليس التلقين، وكذا نزوعهم للبناء وليس الهدم، على خلاف نهج الدوجماطيقيين والشكاك. وهو ما ينفي عن الأنسنيين ما قد يتصوره القارئ نزوعا للانخراط في صراع ساخن وأبدي مع غرمائهم. فكلمة "الصراع" المستخدمة في وصف العلاقة بين الأنسنيين والذات المغتربة والآخر، لا تعني ما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى من نزوع أطراف الصراع، لممارسة العنف الصريح والساذج، فالكلمة إذن لا تُستخدم هنا إلا لوصف التعارض الهائل بين الأنسنيين وغرمائهم، وبين الغرماء بعضهم البعض، وأقصد بالغرماء الذات المغتربة والآخر. ودليل قولي هذا إيمان الأنسنيين الراسخ والقوي بأن في انتصار الأنسنية متسع للجميع. فبانتصار الأنسنية تتخلى الذات المغتربة عن اغترابها وتأخذ بالأنسنية كنهج حياة، وتقهر بذلك اغترابها الثقافي، أما الذات الأنسنية المنتصرة فلسوف تكتفي بتجريد الآخر من أخرويته البغيضة، وتمنحه عفوا كريما، فهي لا تعادي الآخر ولا تكرهه، ولكنها تعادي أخرويته وتحرص على تجريده منها، ليصبح بدوره ذاتا أنسنية، تأخذ بالأنسنية وتعمل على تبصير الغير وحثه على السير في دربها الصعب والممتع.

ولعل فيما سبق تأكيدا لنهج الأنسنيين، وسعيهم السلمي للتشييد والبناء، أقصد بناء الذات الأنسنية القادرة على تجسيد الرفقة الإنسانية الصحيحة، وذلك لقطع الطريق على تجار الآلام في زعمهم الباطل باستحالة نشدانها، فتلك الرفقة تسمح لكل عقيدة من العقائد باتخاذ موقفها ومنبرها في هيكل الوجود الجميل، شريطة ألا يدعى أنصار هذه العقيدة أو تلك امتلاك الحقيقة المطلقة ، فأقصى ما يطمح إليه الإنسان إزاء تلك الحقيقة المطلقة هو إعمال عقله في نُشدانها، لا امتلاكها. وكيف لا؟! و البائن أنه قد حيل بينه وبين إدراكها بحجاب كثيف وصلد ليس يمزقه سوى الموت. وعليه فلا يحق له فرض رأيه إزائها على رفاقه في رحلة الحياة، وكل ما يملكه الإنسان إزائها هو الوثوق بما يفضي إليه به قلبه.

والأنسنيون في سعيهم الحثيث والنبيل لتدعيم جبهتهم الواعدة، ليس أمامهم سوى التعاطي الحذر مع غرمائهم، فهم أنسنيو المستقبل. وأراني ما قصدت بهؤلاء الغرماء سوى الذات المغتربة، حتى تبرأ من اغترابها، والآخر، حتى يبرأ من أخرويته. فليس أقسى على الأنسني من رؤية غيره وقد أضحى فريسة سهلة للاغتراب الثقافي أو الأخروية، فكلاهما لا يرحم صاحبه، حتى أنه يأخذه بعيدا عن الرفقة الإنسانية الصحيحة التي تنشدها الأنسنية في كل زمان ومكان. ولسنا الآن بصدد المقارنة بين الاغتراب الثقافي والأخروية، فكلاهما شر وبلاء، و إنما نحن بصدد الحديث عن كيفية تجاوزهما، بوصفهما عقبتين كئودتين، تحولان دون انخراط أصحابهما ـ أقصد الذات المغتربة والآخر ـ في درب الأنسنية.
ولنبدأ بالذات المغتربة، ولننظر كيفية رأب الصدع بينها وبين الذات الأنسنية، ذلك الصدع الذي يُسببه الاغتراب ويعمل الآخر دوما على تعميقه، لا تجسيره. وليس أنسب في هذا الصدد من الأخذ الحذر وغير المباشر بوسيلتين، من شأنهما تمكين الذات المغتربة من الفكاك من شرك الاغتراب واللحاق بالذات الأنسنية. وأقصد بهاتين الوسيلتين: أولا، تعريف الذات المغتربة بخطورة آليات تكريس الاغتراب الثقافي ، وكذا تبصيرها بحتمية التعاطي الحذر معها، علاوة على السعي لأنسنة تلك الآليات. ثانيا، تثوير عقل الذات المغتربة والحيلولة دون إبقاءه قوة محافظة أساسا، تعمل على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ الحرفي بالثقافات السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى التغيير. والثورية المقصودة هنا لا تعني التجديف في المقدسات ولا الشطح فيما ليس من ورائه نفع، وإنما تعني أن العقل لم يعد قوة محافظة، تعمل على كبت أي تمرد على الأوضاع القائمة، وتدعو إلى الاحتفاظ الحرفي بالثقافات السائدة، وتحارب كل ميل جذري إلى التغيير. فتثوير العقل طريق المعرفة والتطور الإنساني، ومن لا يملك عقلا ثائرا لا يمكنه أن ينقد شيئا، ومن لا ينقد شيئا فانه مُغترب وسيظل على اغترابه. وهذا عين ما ينشده سدنة الاغتراب، فهم يريدون المغتربين عبيدا لا أحرارا!

ولئن كنا قد ألمحنا إلى أن نجاح المغتربين في استعادة حقهم الطبيعي في نقد وتطوير ثقافتهم يعني بالضرورة نجاحهم في قهر اغترابهم الثقافي، فها نحن نقرر صراحة أن السبيل الأكثر فعالية لاستعادة الحق المسلوب، إلى جانب تعرية آليات تكريس الاغتراب الثقافي للذات، هو تثوير تعاطى الذات المغتربة مع ثقافتها، ليتسنى لها أن تصبح ذاتا فاعلة، لديها القدرة على تثمين العقل. فبدون انعتاق الملكات العقلية الخلاقة والإبداعية من رق المحرمات الثقافية، يصبح إدراك الذات لثقافتها إدراكا ميتا لا حياة فيه ولا رجاء منه. ولا ينبغي أن تُخيفنا الثورة العقلية المنشودة، لأنها لن تلبث أن تُؤتى ثمارها ـ إن عاجلا أم آجلا ـ كنوزا معرفية متناثرة، يُنفقها المغتربون في اجتثاث أوضاعهم المتردية والعود الأحمد للنهج الأنسني. ولا يُرهبننا تجار الآلام بقولهم أن ثورة كتلك تعني بالحتمية الفوضى واختلاط الحابل بالنابل، فتلك مزاعم يعوزها المنطق السليم، لأن الأنسنيون يريدونها، وهى بالضرورة كذلك، أداة في يد المجتمع المغترب، يقهر بها اغترابه المخزي، ويعزز بها مسيرته في درب الأنسنية الصعب والممتع.

والآن، لنتحول إلى بيان أهمية تعاطي الذات الأنسنية مع الآخر بحذر وبشكل غير مباشر، عبر تجريدها إياه من أخرويته البغيضة والممجوجة، وتمكينه من السير في درب الأنسنية الصعب والممتع. وهي رؤية تستند بصورة أساسية إلى تعرية أخروية الآخر، وإبراز دوافع استئثاره الأناني بالأنسنية، وتكريسه لاغتراب الذات المسكينة، فلمثل تلك الأمور أهمية بالغة في إبراز قبح الأخروية وتنفير الذات منها، ودفع الآخر للإيمان بأنه في موعد نصر الأنسنية متسع للجميع. والآخر هيكل شاغر يشغله كل من يأتي فعال الآخر، و بعبارة أدق، يعد آخرا ـ كما أسلفنا ـ كل من يدرك الأنسنية ويستأثر بها لنفسه أو لفريق بعينه، ويعمل جاهدا في الوقت نفسه للحيلولة دون أخذ الذات المغتربة بها كنهج حياة، وتعميتها عنها بشتى الوسائل والسبل، بهدف حرمانها من جني ثمار ذلك الفعل الطيب.

أقول إن الآخر غالبا ما يقف وراء إهدار الذات المغتربة للأنسنية، أي وراء عدم أخذ تلك الذات بها، وذلك عبر سعيه المحموم لتكريس الاغتراب الثقافي بكل ويلاته وعذاباته التي يسببها لأصحابه. و بينما تقف الأنانية الثقافية وراء أخروية الآخر المحلي، تقف الثنائية الثقافية وراء أخروية نظيره العالمي. بيد أنه ليس أشق على الكاتب من الحديث عن أنانية الآخر المحلي، في وقت لا يُدرك فيه المجتمع المغترب وجوده أصلا. فهو، حتى وإن أدركه، بطريقة أو أخرى، فإنه يجد صعوبة جمة في الاعتراف بوجوده، اعتقادا منه بأنه جزء لا يتجزأ من نسيجه ومن كينونته الثقافية، واعتقادا منه كذلك بأن الاعتراف به إنما يعد دربا من اللغو والهذيان، علاوة على الاعتقاد في كون مثل ذلك الاعتراف بوجود الآخر المحلي دعوة للانتحار الثقافي. ويظل الكاتب على ثقته بوجود الآخر المحلي على قيد الحياة، ويظل كذلك على إيمانه بإمكانية تعريته.

وللذات المغتربة العذر، كل العذر، في أنها لم تألف الحديث عن الأنانية الثقافية للآخر المحلي، إما لجهلها بوجود هذا الآخر أصلا كما أسلفنا، أو لاعتيادها الجلوس إلى طاولته، غير عابئة بما يُقدم إليها، حتى أنها ألفت أنانيته تلك ولم تعد ترضى عنها بديلا، والأرجح هو اجتماع العذرين معا. و للكاتب أن يُذكر قارئه الكريم بأن الآخر المحلي المقصود هنا لا يدرك فقط أن الإنسان أعلى قيمة في الوجود وأن له حق التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي، ولكنه ـ أقصد الآخر المحلي المشار إليه ـ يحرص أيضا في الوقت نفسه على تعمية أبناء مجتمعه عن إدراك جوهر الأنسنية وهدفها المذكورين في الفصول السابقة، رغبة منه في الانفراد بجني ثمار هذا الإدراك.

ولا مفر من القول بأن تحديد أولئك الذين تنطبق عليهم أوصاف الآخر المحلي، تبعا للمعيار الأنسني، يجب أن يُترك بداهة للقارئ العزيز. ولو أن النخب الحاكمة في المجتمعات المغتربة، في أكثر الآراء رُجحانا، تُشكل حجر الزاوية في هيكله، وأقصد بالنخب الحاكمة تلك الطائفة من الحكام والساسة وغيرهم، الذين ترتبط منافعهم دوما بالأوضاع المتردية، والمواتية لتعمية الذات المغتربة عن إدراك جوهر الأنسنية وهدفها، فنراهم ينزعون في كل زمان ومكان للمحافظة على تلك الأوضاع، بدعوى الحفاظ على مصالح مواطنيهم. وهو ما يُفضي بهم دوما إلى الانفصال الثقافي عن الذات، وان بدا الأمر للمغتربين ثقافيا خلاف ذلك. واراني بحديثي هذا قد أعفيت تجار الآلام من عبء تذكيرهم المستمر والملح لمواطنيهم بقبح جلد الذات، فالثابت أن أولئك الذين تحملهم أنانيتهم الثقافية على تعمية مواطنيهم عن إدراك جوهر الأنسنية وهدفها، ليسوا ذاتا تُجلد ولكنهم آخر لطالما اصطلت تلك الذات ـ ولا تزال تصطلي ـ بناره وشروره!

أما فيما يتعلق بالحديث عن الثنائية الثقافية للآخر العالمي، فثمة تساؤل مهم يُلح بقوة في فرض نفسه، وهو التساؤل المعني بماهية مصطلح الآخر العالمي، نظرا لإمكانية تسكين العديد من المضامين المختلفة تحته. فالآخر العالمي، قد يكون أيا من أصحاب الحضارات الرئيسية التي أوردها صامويل هنتنجتون في مؤلفه الشهير (صدام الحضارات)، وهي: الصينية واليابانية والهندية والغربية والإسلامية والأفريقية (11). بيد أن الكاتب يستخدم المصطلح المذكور للإشارة إلى أصحاب الحضارة المهيمنة أيا كانت تلك الحضارة، طالما عمدوا لتعمية أبناء الحضارات الأخرى عن الأنسنية، وذلك بمساندة الآخر المحلي بطبيعة الحال. ويظل منطقيا قول البعض بانطواء تعميم القول السالف على جميع أبناء الحضارة المهيمنة على قدر وافر من الإجحاف والظلم، استنادا لما يلمسه هؤلاء، عبر تعاطيهم المباشر مع البسطاء المنتمين للآخر العالمي، من رفض بين لتلك الثنائية الثقافية، وإيمان عميق بقبح إهدار آدمية الذات المغتربة. ولهؤلاء نُؤكد أننا نتعاطى في المقال الماثل مع الاتجاه العام المسيطر والمؤثر في الحضارة المهيمنة عالميا، والذي غالبا ما يُسهم أولئك البسطاء في صياغته، بشكل أو بآخر. وان توهموا أو سعوا لإيهامنا بخلاف ذلك! والأولى بهؤلاء البسطاء، حال جديتهم، ردع الآخر العالمي، الذي ينتمون إليه، عن إهدار آدمية أبناء الحضارات الأخرى، بدلا من التباكي عليهم، وإبداء الاستياء إزاء الثنائية الثقافية المقيتة!

أقول إن ثمة ثقافة بعينها تحكم علاقة الآخر العالمي بأبناء حضارته، وهي مغايرة، في أغلب الأحيان، للثقافة الاستعمارية التي تحكم علاقته بأبناء الحضارات الأخرى. حتى أن المراقب المحايد لا يسعه سوى التساؤل عن كيفية تعايش هاتين الثقافتين المتباينتين، إلى حد التناقض، في ذهنية الآخر العالمي!! وهو التساؤل الذي ينبغي أن يُؤرق الباحثين. فعلى خلاف ثقافته الاستعمارية، غالبا ما لا تتعارض الثقافة الحاكمة لعلاقة الآخر العالمي بأبناء حضارته مع القول بأن الإنسان أعلى قيمة في الوجود وأن له حق التمحيص النقدي للأشياء بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل البشريين للماضي الجمعي كما للحاضر الجمعي. أو بعبارة أخري، غالبا ما لا يوجد ثمة تعارض جوهري بين الثقافة الحاكمة لعلاقة الآخر العالمي بأبناء حضارته والأنسنية، وذلك لتثمين كليهما للإنسان باعتباره أعلى قيمة في الوجود، علاوة على إيمان كليهما بحق الإنسان في التمحيص النقدي للأشياء، بما هي نتاج للعمل البشري وللطاقات البشرية، تحسبا لسوء القراءة وسوء التأويل.

أما الاستعمار ـ وأستخدم الكلمة هنا مرادفا للثقافة الاستعمارية ـ، فهو مفهوم غامض إلى حد كبير، يُثير في نفوس الشعوب المستعمِرة والمستعمَرة مشاعر متباينة، فضلاً عن اختلاف تعريفه من فترة زمنية لأخرى ومن مُحلل لآخر، كل حسب منطلقاته الفكرية. غير أن الكاتب ولأغراض الدراسة الماثلة يميل لتعريف الاستعمار بأنه علاقة استغلالية، بين طرفين ليسا بالضرورة دولتين، يوظف بموجبها الطرف الأقوى قدراته العالية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو أيديولوجية، لإقامة الاستغلال والاحتفاظ به وحصد المنافع الخاصة به، مقابل الزعم بحماية الطرف الأضعف من الاعتداء أو تنمية قدراته الاقتصادية أو أية مزاعم أخرى من هذا القبيل. وغالبا ما تتسم الثقافة الاستعمارية للآخر العالمي بخصائص عديدة منها، على سبيل المثال لا الحصر، الاعتقاد في شرعية الاستعمار ، وفوقية المستعمر ودونية المستعمر، فضلا عن القول بمشروعية إهدار آدمية الشعوب المستعمرة .

والآن ، أما وقد تحدثنا عن الثنائية الثقافية للآخر العالمي، يبيت لزاما علينا التأكيد على إمكانية أن يكون الآخر العالمي آخرا محليا في الوقت نفسه. بمعنى أنه من الوارد، بل والمألوف، تاريخيا ألا يكتفي القائمون على حضارة مهيمنة بعينها بتعمية أبناء الحضارات الأخرى عن الأنسنية وتكريس اغترابهم الثقافي، فنراهم يعمدون لفعل الشيء نفسه مع أبناء حضارتهم، رغبة من جانبهم في الاستئثار بثمار الأنسنية، وذلك لاعتقادهم بتعرض مصالحهم للخطر حال شيوع الأخذ بالنهج الأنسني. وحينئذ يجتمع الآخران المحلي والعالمي في آخر واحد، ويصبح الجلاد واحدا على الصعيدين المحلي والعالمي، وتتشابه إلى حد كبير سلوكياته تجاه أبناء حضارته، مع سلوكياته تجاه أبناء الحضارات الأخرى، وهو الأمر الذي يُنبئنا التاريخ بحدوثه في حقب زمنية بعينها. وقد يحدث أحيانا أخرى أن يكون الآخر العالمي أكثر شراسة في مواجهة أبناء حضارته عنه في مواجهة أبناء الحضارات الأخرى، وهو ما يعضد القول بقبح الأخروية وشراستها.

ويحلو للكاتب قبل مغادرة هذا الفصل التأكيد على قناعته بأن بناء الذات الأنسنية يعد بالأساس بناءا للوعي، فجوهر الأنسنية هو الوعي بالصراع الثقافي، أي إدراك الذات الأنسنية لمساعي الآخر الرامية لتعمية الذات المغتربة، وكذا إدراكها لجهل أو إعراض الذات المغتربة عن الأنسنية ودفاعها عن اغترابها وتعويلها على الآخر في خلاصها. كما يحلو للكاتب أيضا التأكيد على قناعته بأن كلمة "الصراع" المستخدمة في وصف العلاقة بين الأنسنيين والذات المغتربة والآخر، لا تعني ما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى، من نزوع أطراف الصراع، لممارسة العنف الصريح والساذج، فالكلمة لا تستخدم هنا إلا لوصف التعارض الهائل بين الأنسنيين وغرمائهم، وبين الغرماء بعضهم البعض، وأقصد بالغرماء الذات المغتربة والآخر. ففي انتصار الأنسنية متسع للجميع، متسع للذات المغتربة وذلك بتخليها عن اغترابها وأخذها بالأنسنية كنهج حياة، قاهرة بذلك اغترابها الثقافي. وكذا في انتصار الأنسنية متسع للآخر، فلسوف تكتفي الذات الأنسنية حال انتصارها بتجريد الآخر من أخرويته، وتمنحه عفوا كريما.

الهوامش
ــــــــــــ
(1) إدوارد سعيد ] 1935 ـ 2003 [ : ولد إدوارد سعيد في القدس عام 1935 ، لعائلة مسيحية . وبدأ دراسته في كلية فكتوريا في الإسكندرية ، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية كطالب ، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة برنستون عام 1957 ، ثم الماجستير عام 1960 ، والدكتوراه من جامعة هارفرد عام 1964 . قضى سعيد معظم حياته الأكاديمية أستاذا في جامعة كولومبيا في نيويورك ، لكنه كان يتجول كأستاذ زائر في عدد من كبريات المؤسسات الأكاديمية ، مثل جامعة هارفرد وجون هوبكنز . تحدث سعيد العربية والإنجليزية والفرنسية بطلاقة ، وألم بالأسبانية والألمانية والإيطالية واللاتينية . أصدر بحوثا ودراسات ومقالات في حقول عديدة تنوعت من الأدب الإنجليزي ، وهو اختصاصه الأكاديمي ، إلى جانب الموسيقى وشئون ثقافية مختلفة . توفي سعيد في إحدى مستشفيات نيويورك عام 2003 عن 67 عاما نتيجة إصابته بسرطان الدم (اللوكيميا) . للاطلاع على آخر مؤلفات الراحل الفذ إدوارد سعيد راجع : إدوارد سعيد ، ترجمة فواز طرابلسي ، الأنسنية والنقد الديمقراطي ، ( بيروت : دار الآداب ، 2005 ) ، ص 17 .
(*) فرنشسكو بتراركه ]1304ـ 1374[ : شاعر إيطالي كبير ، جاهد في كتاباته في سبيل إحياء الروح القديم . وفضلا عن تتويجه في روما عام 1341 شاعر الشعراء ، فهو ـ بحق ـ أول الأنسنيين أو النشوريين .
(2) د.مراد وهبة ، المعجم الفلسفي ، ( القاهرة : دار الثقافة الجديدة ، 1979 ) ، ص55 .
(3) إسماعيل مظهر ] 1891 ـ 1962 [ : أحد رواد الفكر والعلم والترجمة في مصر والعالم العربي . درس علوم الأحياء ، ثم تحول إلى الأدب . ترجم مؤلف داروين Charles Darwin " أصل الأنواعThe Origin of Species " ، ونشره عام 1918 . اشتغل بالتأليف ، ورأس تحرير " المقتطف " ، وأصدر مجلة " العصور " عام 1927 . وكذلك أصدر " قاموس الجمل والعبارات الاصطلاحية الإنجليزية والعربية " عام 1951 ، و " قاموس النهضة : إنجليزي ـ عربي " عام 1954 ، و " معجم مظهر الانسكلوبيدي " ، وقد طبع منه 3 أجزاء . يقول عنه ابنه جلال في مقدمة كتابه " رسالة الفكر الحر " : " أنه ـ يعني والده ـ كان ناقدا ومفكرا ومصلحا اجتماعيا ، وأن أفكاره دارت حول معنيين هما الحرية الفردية والمثل الأعلى ، وأنه كان مخلصا دفع كل شيء ، ماله وأعصابه وجهوده ، وأن أهم مواقفه دعوته إلى تكوين حزب اجتماعي سماه حزب الفلاح أو حزب العمال والفلاحين ، لأن الريف عنده هو مصر ومصر هي الريف " . حول النشورية راجع : إسماعيل مظهر ، لواحق المقتطف الشهرية ، ( القاهرة : مطبعة المقتطف والمقطم ، فبراير 1946 ) ، ص 5 .
(4) فرديناند سكيفل ، " المجتمع الإيطالي في عصر النهضة " ، في جورج سارتون وآخرين ، ترجمة الدكتور عبد الرحمن ذكي ، حضارة عصر النهضة ، ( القاهرة ؛ نيويورك : دار النهضة العربية بالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر ، 1961 ) ، ص ص 63 ـ 97 .
(5) جورج سارتون ، " العلم في عصر النهضة " ، في جورج سارتون وآخرين ، م . س . ذ ، ص ص 101 ـ 132 .
(6) اعتمد الكاتب في استقاء تلك المعلومات على عرض باللغة العربية على شبكة الإنترنت لكتاب بعنوان " مدخل عام إلى النزعة الإنسانية Humanism : an Introduction " ، لجيم هيريك Jim Herrick. والكتاب صادر عن بروميثيوس بوكس Prometheus Books ، بلندن عام 2005 . وذلك لتعذر حصول الكاتب على نسخة من الكتاب المذكور ، ويمكن للقارئ الكريم مراجعة العرض المذكور على الموقع التالي على شبكة الإنترنت : www.iraqcenter.net
(7) راجع: عبد الرحمن بدوي ، الإنسانية والوجودية في الفكر العربي ، ( الكويت ؛ بيروت : وكالة المطبوعات ، دار القلم ، 1982 ).
(8) ت.س.إليوت، ترجمة شكري عياد، ملاحظات نحو تعريف الثقافة، (القاهرة : الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003) ، ص ص 170 ـ 171 .
(9) لمزيد من المعلومات عن الاغتراب الثقافي للذات العربية وآليات تكريسه راجع: د.حازم خيري، الاغتراب الثقافي للذات العربية، (القاهرة: دار العالم الثالث، 2006).
(10) تأثر الكاتب في صياغته لما يراه خصائص عامة للأنسنية في الحضارات المختلفة بآراء العديد من الكتاب والمفكرين، خاصة رأي الفيلسوف عبد الرحمن بدوي الوارد في كتابه القيم والثري " الإنسانية والوجودية في الفكر العربي "، وان اختلف الكاتب مع الرأي المذكور في مواطن عديدة، لن تخطئها عين القارئ المدقق. والدكتور عبد الرحمن بدوي ] 1917 ـ 2002 [: أحد أبرز الفلاسفة المصريين في القرن العشرين وأغزرهم إنتاجا. ألف 150 كتابا، ويعتبر أول فيلسوف وجودي مصري، حيث تأثر بهايدجر.
(**) جورج فيلهلم فريدريك هيجل ] 1770ـ 1831 [ : فيلسوف مثالي موضوعي ألماني ، ولد في المنطقة الجنوبية الغربية من ألمانيا . يعد بحق أحد أهم الفلاسفة الألمان ، حيث يعتبر أهم مؤسسي حركة الفلسفة المثالية الألمانية في أوائل القرن التاسع عشر الميلادي .
(***) ـ الفلسفة الاسكلائية أو المدرسية Scholastic Philosophy : أذاع هذه التسمية أول الأمر " أنسنيو " القرن السادس عشر ، ويقصدون بها الفلسفة التي نشأت ونمت في المدارس schola فقد كان لفظ scholasticus يطلق على كل معلم في مدرسة أو خريج مدرسة وهو قصد ينطوي على معنى محقر . ـ الديالكتيك أو الجدل Dialectic : الديالكتيك هو في اللغة العربية الخصام واللجاجة وفى اللغة الفلسفية فن البرهان . ومبدعه هو زينون الايلي ] حوالي 490 ـ 430 ق . م [ دفاعا عن مذهب معلمه بارمنيدس ] النصف الثاني من القرن السادس قبل الميلاد [ ضد الذين حاولوا أن يبينوا أن قول معلمه بالوحدة يستتبع نتائج مناقضة له . راجع : د . مراد وهبة ، م .س . ذ ، ص 400 ، 142 . ولمزيد من المعلومات عن الديالكتيك راجع أيضا : د . مراد وهبة ، قصـة الديالكتيك ، ( القاهرة : دار العالم الثالث ، 1997 ) .
(11) لا يختلف مفهوم الحضارة عن نظيره الخاص بالثقافة كثيرا، فكلاهما يشير إلى طريقة حياة شعب معين، غير أن الحضارة هي الكيان الثقافي الأوسع، أو بمعنى آخر هي أعلى تجمع ثقافي من البشر وأعرض مستوى من الهوية الثقافية يمكن أن يميز الإنسان عن الأنواع الأخرى. وهى تعرف بكل من العناصر الموضوعية العامة مثل اللغة، والتاريخ، والدين، والعادات، والمؤسسات، والتحقق الذاتي للبشر. وهناك مستويات للهوية لدى البشر، فساكن القاهرة قد يعرف نفسه بدرجات مختلفة من الاتساع: مصري، عربي، مسلم. والحضارة التي ينتمي إليها هي أعرض مستوى من التعريف يمكن أن يعرف به نفسه، أي أنها " نحن " الكبرى التي نشعر ثقافيا بداخلها أننا في بيتنا، في مقابل " هم " عند الآخرين خارجنا. وقد تضم الحضارات عددا كبيرا من البشر مثل الحضارة الصينية، أو عددا قليلا مثل الكاريبي الأنجلوفوني. وعلى مدى التاريخ وجدت جماعات صغيرة كثيرة ذات ثقافات مائزة وتفتقر إلى معين ثقافي أوسع لهويتها. وكانت الفروق تتحدد حسب الحجم والأهمية بين الحضارات الرئيسية والفرعية أو بين الحضارات الرئيسية والحضارات الجهيضة. وطبقا لصمويل هنتنجتون تتمثل الحضارات الرئيسية المعاصرة في الصينية، واليابانية، والهندية، والإسلامية، والغربية، والروسية الأرثوذوكسية، والأمريكية اللاتينية، فضلا عن الأفريقية. إلا أن الباحثين وإن اتفقوا بشكل عام في تحديدهم للحضارات الرئيسية في التاريخ وتلك الموجودة في العالم الحديث، فإنهم غالبا ما يختلفون على العدد الإجمالي للحضارات التي وجدت في التاريخ. لمزيد من المعلومات راجع: صامويل هنتنجتون، ترجمة طلعت الشايب، صدام الحضارات ـ إعادة صنع النظام العالمي ، ( القاهرة : سطور ، 1998 ) ، ص ص 67 ـ 80.


بواسطة Abied Alsulaiman في 17/06/2008 1:00:33 (211 القراء)

مهدي المخزومي حياة وأثر

بقلم الدكتور رياض السواد


أولا : حياته :
هو مهدي(1) بن الشيخ محمد صالح بن الشيخ حسن بن الشيخ محمد صالح ، آل زاير دهام ، الشهير بالمخزومي . ولد في النجف الآشرف عام 1910م(2) في محلــــــة" العمارة "(3) . من أسرة عربية عريقة تعرف بـ " آل زاير دهام " . هاجرت من العمارة إلى النجف ، في أوائل القرن الثاني عشر للهجرة ، وتعود بالنسب إلى قبيلة بني خالد ، وهـــم بطــــن من مخزوم (4). أما النسبة إلى خالد بن الوليد فقد أتفق علماء النسب(5) على أن عقبه أنقرض ، ولعل النسبة إلى رجل آخر يشاركه في الاسم .
ولد المخزومي من " أسرة كريمة مملقة ... وذاق اليتم صغيرا . فقد توفي والده وهو صغير لم يتجاوز عمره السنتين ، وفقد أمه قبل أن يتم الخامسة ، فتولت أخته التي تكبره باثنتي عشرة سنة ، رعايته والعناية به . وعاش في كنف أخيه الكبير، وكان أخوه يومذاك قد بلغ مبلغ الرجال . وعانى في أعوامه الأولى ما يعانيه اليتيم المرهف الحس ... وكان أخوه إذا سافر في طلب الرزق ترك له ولأخته درهما واحدا " (6).
وبعد أن تعلم القراءة والكتابة ، وختم القرآن " دخل مدرسة الغري الأهلية ، وتخرج فيها ، ثم دخل المتوسطة ، ولم يتم الصف الأول منها ، وانحاز إلى الدراسة القديمة . ودخل حظيرة الجامع الهندي ، حيث أخذ يدرس المقدمات "(7) . وفي هذا الجامع درس النحو والبلاغة على الشيخ محمد تقي صادق والشيخ مهدي الظالمي(8) ، ودرس معالم الأصول على الشيخ عباس المظفر ، ومن غير أن يكون راغبا في مثل هذه الدراسة ، ألا أن عمه وأخاه ألحا عليه ، فقبلها على مضض(9) . وعلى الرغم من ذلك كله ، فقد ساعدته هذه الدراسة كثيرا ، إذ جعلت منه تلميذا بارزا بين أقرانه فيما بعد.
وفارق الدراسة الدينية عام 1935م ، إذ عين " وكيل معلم " في مدرسة " سوق الشيوخ الابتدائية " في لواء المنتفق (10). وكان الأدب إذ ذاك هاجسه ، فانتسب إلى جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، التي كانت تهدف إلى بث الروح العربية ، وتنمية الشعور القومي وخدمة العربية وآدابها . وقد كان رئيسها الشيخ محمد علي اليعقوبي ، ومن أعضائها البارزين محمود الحبوبي ـ ابن أخ السيد محمد سعيد الحبوبي ـ ومحمد علي البلاغي صاحب مجلة البلاغ" (11).
وفي عام 1938م في الشهر العاشر منه ، التحق بالبعثة الأدبية إلى مصر ، ولم يكن من هؤلاء الذين يحملون الشهادة الرسمية . فقبل في الجامعة على أثر اختبار اجري له في جامعة فؤاد الأول ، حيث أجتازه بتفوق (12)،واستمر بدراسته في هذه الجامعة حتى أتم المرحلتين الأولى والثانية . ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية ، ووصول القائد الايطالي إلى " سيدي براني " قد اضطرت وزارة المعارف العراقيـــة إلى سحب الطلبـــة العراقيين من مصر (13). وفي أثر ذلك عاد إلى وطنه وعين مستخدما على الملاك الابتدائي في إحدى مدارس لواء الديوانية (14). وأستمر على هذا المنوال حتى عام 1941م إذ عاد إلى جامعة فؤاد الأول ، وراح يدرس العربية على كبار الأساتذة هناك ، أمثال : طه حسين وعبد الوهاب حموده وعبد الوهاب عزام واحمد أمين ويحيى الخشاب وأمين الخولي وإبراهيم مصطفى وغيرهم . كما أنه درس الفلسفة على يد الأستاذ الدكتور إبراهيم بيومي مدكور ، ودرس التاريخ على الأستاذ الدكتور حسن إبراهيم حسن (15).
في عام 1943م عاد إلى العراق ، وعين مدرسا في دار المعلمين الريفية في الرستمية ، وراح يدرس مادة الأدب العربي فيها لأربع سنوات متتالية(16). وبعدها وفي التحديد عام 1945م اقترن بابنة خاله السيدة صديقة محمد حسين ، التي أنجبت لــه فيمــا بعد نوال ومهندا (17).
وفي عام 1947م عاد إلى جامعة فؤاد الأول لإتمام دراسته العليا " الماجستير " فأعد بحثه الموسوم بـ " مذهب الخليل النحوي " (18) بأشراف الأستاذين أمين الخولي وإبراهيم مصطفى . واستمر في دراسته دونما انقطاع لنيل شهادة الدكتوراه وأعد بحثه الموسوم بـ "مدرسة الكوفة النحوية ومنهجها في البحث " (19) بأشراف الأستاذ مصطفى السقا . اثبت فيه جدارة فائقة إذ أقدم على مثل هذا العمل الذي لا يقدم عليه إلا ذوو المواهب الخاصة . وقد نال هذا البحث الاهتمام الواسع في مصر وغيرها من البلدان العربية ، إذ كان أول بحث في هذا المجال (20).
في عام 1953م عاد إلى وطنه ، إذ عين مدرسا في كلية الآداب والعلوم في بغداد . وراح يلقي المحاضرات في مادة النحو العربي على طلبة هذه الكلية . وفي الوقت ذاته وجدناه يقوم بإلقاء المحاضرات على طلبة دار المعلمين العالية (21).واستمر على هذا المنوال حتى قيام ثورة 14 تموز المجيدة ، إذ عهدت إليه عمادة كلية الآداب والعلوم في جامعة بغداد ولم يكن راغبا فيها(22) .
وفي عام 1963 م وعلى الرغم من ذلك الذي قدمه وجد نفسه في كلية من كليات الآداب خارج العراق (23) وفي غربته هذه عهدت إليه رئاسة قسم اللغة العربية في كلية آداب جامعة الرياض . فتولاها وكان نعم المتولي . قام بها خير قيام ، حتى قال عنه وعن صديقه (24)مسؤول كبير : " جعلوا الجامعة جامعة " . وقال آخر : " رفعتم رأس الأستاذ الجامعي ، وأثبتم أن في الوطن العربي أساتذة أساتذة "(25).
ولعل هذه المرحلة من حياته كانت مرحلة صعبة ، إذا لم تكن أصعب المراحل . إلا انه لم يفقد عزمه المتواصل ؛ وإذا به يخرج إلينا بأرقى إعماله العلمية التي ستبقى آثارها خالدة خلود النحو العربي . كتابيه " في النحو العربي : نقد وتوجيه " و" في النحو العربي : قواعد وتطبيق " اللذين نال عليهما جائزة من الحكومة السعودية على أنهما من الأعمال العلمية الراقية التي رفعت من سمعة هذه الجامعة (26) .
ويسر إليه أمر العودة إلى الوطن بعد هذا الاغتراب الطويل . إلا انه مع ذلك لم يتنازل عن مروءته التي جبل عليها ، طالما أن مدة العقد لم تنته بعد ؛ يقول :" إني متعاقد مع هذه الجامعة التي استقبلتني في المحنه ، وأكرمت وفادتي ، وذبت عني الأذى في الوقت الذي كانت جامعتي تجعجع بي ... فليس من المروءة ، ولا من كرم الخلق ، أن انهي تعاقــدي الآن ، والدراسة ماضية بجد ، وقد خطت شوطا بعيدا (27).
وفي عام 1968م عاد إلى وطنه ، واستمر في أداء رسالته العلمية دون كلل . فيلقي بما يحمله في آداب بغداد ، وكلية أصول الدين ، وكلية الفقه وتعهد إليه رئاسة قسم اللغة العربية في كلية الآداب ، جامعة بغداد مطلع السبعينيات من هذا القرن . ولكن المياه ما كانت لتجري دون تعكير . وإذا بالرجل " يتحمل صابرا مترفعا عن الشكوى ، مقتنعا بزاوية من بيته ، لم تلبث أن استحالت إلى ندوة مصغرة ، يلتقي فيها الأحبــاب مــن المثقفين والمفكرين ، وللغة حظ واف من حظوظها(28).
وفي ظهر اليوم الثاني عشر من رمضان عام 1414هـ الموافق الخامس من آذار عام 1993م في يوم الجمعة منه وبينما هو في حلقة من طلبته يجيب عن سؤال تلميذه الدكتور زهير غازي زاهد ، الذي كان عن قياس الخليل بن احمد الفراهيدي ، فيجيبه استأذنـــا بــ " لم يكن قياس الخليل قياس منطق عقلي . فهذا القياس خارج اللغة ... إن قياس المنطق خارج اللغة اللغة ...لأن .. لا...! ؟ (29) وضع يده على جبهته ، واتكأ فجأة على كرسيه مسبلا يديه ، وكأنما أخذته إغفاءه . وقد كان ذلك على أثر مرض القلب الذي ألم به منذ عام 1974م . ودفن في مقبرة العائلة في وادي السلام بالنجف الاشرف .
وينشر خبر وفاته بالأرجاء ، وأينما انتشر نشر معه الحزن والأسى والأسف . " فإذا كان فقد إنسان مجلبة للحزن فكيف يفقد إنسان عالم أدى للأمة في خدمة لغتها الكثيـــر الكثير ، وله مع خدمة اللغة خدمات اعم وأخلاق أدل " (30).
هذا ولقد أقيمت عليه المآتم الاستذكارية في كل من بغداد والنجف ، كان أهمها الحلقة الدراسية التي أقيمت عليه في اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ذكرى الاربعينيه. شارك فيها كل من الدكتور علي جواد الطاهر ، والدكتور عبد الجبار المطلبي ، والدكتور نعمه رحيم العزاوي ، والدكتور مالك المطلبي ، والدكتور زهير غازي ، وغيرهم ، والحلقة الدراسية التي أقامها قسم اللغة العربية بكلية التربية للبنات في جامعة الكوفة في 4/3/1994 بمناسبة مرور سنة على رحيله . فضلا عما امتلأت به الصحف من مقالات وقصائد استذكارية (31).
رحم الله المخزومي فقد كان حييا ، سهل المخالطة ، هادئ الطبع ، ينتقي كلماته حين يتكلم ، متأنيا إلى ابعد ما تكون الأناة ، يجد عنده السائل حفاوة تنسيه انه لا يعرفه . أشرف على رسائل علمية متعددة في الماجستير والدكتوراه وابرز من تتلمذ له في هذا : الدكتور محمد خير الحلواني ( رحمه الله ) من سوريا ، والدكتور مصطفى جمال الدين ، والدكتور طارق عبد عون الجنابي ، والدكتور حاتم صالح الضامن ، والدكتور سعيد جاسم الزبيدي ، والدكتور محمد علي حمزة ، وغيرهم .
ثانيا : آثـــاره :
1ـ كتبه المنشورة :
وهي :
أ ـ الخليل بن أحمد الفراهيدي ، أعماله ومنهجه
والكتاب في الأصل رسالة ماجستير أعدها في جامعة فؤاد الأول بأشراف الأستاذين أمين الخولي وإبراهيم مصطفى . وعنوانها الأصلي " مذهب الخليل النحوي "(32)، ثم عدل إلى هذا العنوان ، ولا ندري أكان ذلك من خلال المناقشة أم من تصرفه عند طبع الكتاب ؟ طبع الكتاب طبعتين : بغداد ، مطبعة الزهراء ، 1960 م
بيروت ، دار الرائد العربي ، 1986م .
ب ـ مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو
وهي رسالة أعدها لنيل شهادة الدكتوراه ، من جامعة فؤاد الأول بإشراف الأستاذ مصطفى السقا . والأصل فيها " مدرسة الكوفــة النحويـــــــة ومنهجها في البحث "(33)، ثم عدل إلى هذا العنوان ، ولا نعلم أكان ذلك من خلال المناقشة أم من تصرفه عند الطبع ؟ هذا ولقد طبع الكتاب ثلاث طبعات هي : بغداد ، دار المعرفة ، 1955م
القاهرة ، مطبعة البابي الحلبي ، 1958م
بيروت ، دار الرائد العربي ، 1986م
ج ـ في النحو العربي نقد وتوجيه
طبع الكتاب مرتين هما : بيروت ، المكتبة العصرية ، 1964م
بيروت ، دار الرائد العربي ،1968م
د ـ في النحو العربي قواعد وتطبيق (34)
طبع الكتاب طبعتين هما : القاهرة ، مصطفى البابي الحلبي ، 1966م
بيروت ، دار الرائد العربي ، 1986م
هـ ـ عبقري من البصرة
والكتاب تعليقات وزيادات واستدراكات (35) . كان المخزومي ينتظر الفرصة لإلحاقها بأصل رسالته " الخليل بن احمد الفراهيدي :ـ أعماله ومنهجه " ، وإخراج الكتاب إخراجا جيدا . إلا أن الفرصة لم تتحقق ، فجمعها وقدمها في كتاب لمهرجان المربد الأول الذي خصص يوما من أيامه للخليل عام 1972م ولقد طبع هذا الكتاب ثلاث طبعات هي :
بغداد ، دار الشؤون الثقافية ، 1972م.
بيروت ، دار الرائد العربي ، 1986م.
بغداد ، دار الشؤون الثقافية ، 1989م.
وقد زيدت على عنوان الطبعة الثالثة من الكتاب كلمة " الفراهيدي " ليصبح عنوانــه " الفراهيدي عبقري من البصرة دون أن يكون للمؤلف دخل في ذلك (36).
و ـ الدرس النحوي في بغداد
وقد طبع الكتاب مرتين هما : بغداد ، دار الحرية ، 1975م.
بيروت ، دار الرائد العربي ، 1987م
ز ـ أعلام في النحو العربي
وهو مجموعة مقالات عن أشهر نحاة العرب ، كان قد نشرها في مجلة المعلم الجديد وغيرها . وقد طبع هذا الكتيب في بغداد ، دار الحرية ، 1980م ضمن الموسوعـــة الصغيرة ، بالعدد ( 60 )
ح ـ قضايا في النحو وتأريخه . تناول فيه طبيعة المنهج النحوي وظواهر نحوية متعددة كانت مثار النقد النحوي على مر العصور . ومما تجدر الإشارة إليه أن الكتاب نشر بعد وفاة صاحبه بعنوان ( قضايا نحوية ) قام بنشره المجمع الثقافي في الإمارات العربية المتحدة عام 2002 .
2ـ مقالاته وبحوثه :
بدأ المخزومي النشر في المجلات منذ عام 1939م والمتتبع لهذه المقالات المنشورة يجد أن المخزومي لا يلتزم باختصاص دون سواه .فهو واسع الثقافة ملم بأطرافها . فتارة تجده أديبا وناقدا من طراز خاص ، وتارة تجده نحويا ، وأخرى مؤرخا . وهي :
ـ حول بعث الشعر الجاهلي (37).
ـ أدب الشبيبي الكبير ، الشيخ جواد ، ومساهمة النجف في النهضة الأدبية الحديثة (38).
ـ الأثر الفني والخلود (39).
ـ نبوة المتنبي (40).
ـ بروق خاطفة (41).
ـ الشاعر المنسي أو الشريف الرضي (42)
ـ التلوين الجديد (43).
ـ اللغة العربية في مدارسنا (44).
ـ النجف والرأي العام (45).
ـ ولادة ابن زيدون (46).
ـ دعوه جادة لإصلاح العربية (47).
ـ رأي في إسناد الفعل (48).
ـ الخليل بن احمد الفراهيدي (49).
ـ الفراء (50).
* سيبويه* .
ـ المبرد (51).
ـ رأي في موضوع النحو (52).
ـ ثعلب (53).
ـ نحاة مصريون(54).
ـ الكاتب (55).
ـ السيرافي (56).
ـ نحاة أندلسيون (57).
ـ مقدمة لكتاب " رأي في الإعراب" للمؤلف يوسف كركوش* .
ـ الفارسي (58).
ـ الرماني (59)
ـ نظرة في كتاب " زهديات أبي نؤاس " لمؤلفه الدكتور علي الزبيدي (60)
ـ ملاحظات على كتاب " أبي زكريا الفراء" لمؤلفه أحمد مكي الأنصاري (61)
ـ الخليل بن احمد الفراهيدي (62 ).
ـ كتاب في النحو بمثابة انقلاب (63).
ـ ملاحظات على كتاب " نحو الفعل " لمؤلفــه الدكتور احمد عبد الستار الجواري (64)
ـ الدرس النحوي بين المدرسة النظامية والجامعة الحديثة (65).
ـ العربية النموذجية قديما وحديثا* .
ـ في ضوء قانون الحفاظ على سلامة اللغة العربية (66).
ـ قضايا مطروحة للمناقشة (67).
ـ ملاحظات عامة على كتب قواعد اللغة العربية في المرحلة الابتدائية (68).
ـ ملاحظات على كتاب " بغداد مدينة السلام " لابن الفقيه الحمداني ، المحقق صالح أحمد العلي (69).
ـ الإعراب في النحو العربي (70).
ـ قراءة جديدة في الكتاب (71).
3ـ آثاره التي اشترك بها مع غيره :
وهي كالآتي :
أ ـ أشترك مع الدكتور علي جواد الطاهر ، والدكتور إبراهيم السامرائي ، والأستاذ رشيد بكتاش ، في جمع وتحقيق ديوان الجواهري ، بأجزائه السبعة . وقد طبع الديوان في وزارة الإعلام العراقية ، 1973م، 1980م .
ب ـ أشترك مع الدكتور إبراهيم السامرائي في تحقيق كتاب " العين " للخليل بن احمد الفراهيدي ، بأجزائه الثمانية . وقد طبع الكتاب في وزارة الثقافة والإعلام ، دار الحرية ، 1980م، 1982م، 1985م ، إلا الجزء الأول منه ، فقد تولت طبعه دار الرسالة في الكويت عام 1980م.
ج ـ أشترك مع الدكتور عبد الجبار المطلبي في ترجمة كتاب " مدخل إلى نحو اللغات السامية المقارن لمؤلفه موسكاني ، الذي ترجمه الدكتور المطلبي ، وتولى المخزومي التعليقات المناسبة في القضايا النحوية واللغوية ومناقشتها . نشر الكتاب في عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع عام 1993

4ـ مخطوطاته :
وهي كالآتي :
أ ـ كتاب أسماه بـ " ملاحظات "
يقع الكتاب في حوالي (100) صفحة من القطع الكبير ، ويتضمن :
ـ ملاحظات على كتاب [ أبو زكريا الفراء ومذهبه في اللغة والنحو ] لأحمد مكي الأنصاري .
ـ ملاحظات على كتاب الفعل : زمانه وأبنيته للدكتور إبراهيم السامرائي .
ـ ملاحظات على كتاب بغداد مدينة السلام تحقيق الدكتور صالح احمد العلي .
ـ ملاحظات على مقالة الدكتور إبراهيم السامرائي " ألنا مدارس نحوية ؟" (72)
ـ الدرس النحوي بين المدرسة النظامية والجامعة الحديثة .
ولعل هذا المخطوط لا يتجاوز كونه جمعا لمقالات سبقت الإشارة إلى بعضها .
ب ـ إعادة تحقيق الأجزاء الأربعة الأولى من كتاب العين ، وذلك للأخطاء التي وقعت في التحقيق الأول لهذه الأجزاء مع الدكتور إبراهيم السامرائي .

5ـ أدبــــه :
وللمخزومي شعر تقليدي هو أقرب إلى شعر العلماء منه إلى أن يكون شعرا . يقول بقصيدة عنوانها " أثر الجمال في النفس " (73 ):

قلت لما علي مــــر أترى الغصن قــــد خطر
يمـــــلأ العين روعة وجمــالا إذا سفــــر
فهو كالوردة ازدهــــــى وهــو كالكوكب ازدهر

وقال في رثاء الشيخ جواد صاحب الجواهر( 74 ):
من أجل من شمس المعالي كــــورت
وللأفول بدرها قد أضطــــــرب
وباسم من ناحت حمامات الأسى
واضطربت نسائم الفجـــر مهب
هل قطعت مـــــن العـــــلا يمينها
وابتز من خنصرها ماس الأرب
أم فقدت رحـــــى المعالي قطبها
والقطب في دورتها هو الســبب
ولديه جملة من الأناشيد المدرسية التي لم نقف عليها( 75 ).
وكتب المخزومي في فن " البند " وله بند أرسله إلى احد أصدقائه عام 1958م يقول فيه :
" لقد سهدنا الشوق ، غداة ارتحل الصحب ، وطار القلب ، إذ طار على الطيارة الركب ، وقد سالت لنا العبرة، إذ سرتم إلى البصرة ، فكيف الحال يا صاح ، إذا رحتم لإيران ، ومن ثم لطهران ، لتستافوا الرياحين من الولدان والعين (76)
وفي غير هذا ، فأن عبارة المخزومي لها طلاوة وفيها ماء ، ولم يجر عليها تخصصه في النحو واللغة ، بل كان أديبا متمكنا ، ليس في جملته زيادة ولا ركة . فهو يتخير ألفاظه ، ويتأنى في كتابته ، وربما يعيد ما كتب ، حتى ولو كان رسالة خاصة











الهوامش
1ـ وفي بعض الوثائق هو عبد المهدي . تنظر الوثيقة رقم :1.
2ـ هناك اضطراب في سنة ولادة المخزومي ، فقد جعلت عام 1910، 1915، 1918، 1919، ولعل أصح هذه التواريخ هو عام 1910 فقد أشار إلى ذلك الشيخ حميد الصغير، أحد تلامذة الدكتور المخزومي في حظيرة الجامع الهندي ، وقد التقى به الدكتور سعيد جاسم الزبيدي في بيته بتاريخ 10/11/1993. وأكدته الوثائق القديمة التي تم العثور عليها ، تنظر الوثيقة رقم : 1 ، والوثيقة رقم : 2.
3ـ وثيقة رقم : 3.
4ـ شعراء الغري ، علي الخاقاني : 12/286.
5ـ جمهرة أنساب العرب : 148.
6ـ المخزومي الإنسان ، عبد الجبار المطلبي : الورقة (2).
7ـ شعراء الغري : 12/286.
8ـ لقاء الدكتور سعيد الزبيدي مع الأستاذ صالح الظالمي بتاريخ 1/11/1994 وينظر في ترجمة الشيخ الظالمي ، شعراء الغري ، علي الخاقاني : 120/280ـ 285.
9ـ ذكريات وأحاديث وحوار ، حياة شرارة .
10ـ شعراء الغري : 12/286، لواء المنتفق ، محافظة ذي قار ( الناصرية ) حاليا .
11ـ مهدي المخزومي وجهوده في الدراسات النحوية واللغوية ، عبد الحميد الرشودي .
12ـ المصدر نفسه .
13ـ ذكريات وأحاديث وحوار .
14ـ وثيقة رقم : 4.
15ـ ذكريات وأحاديث وحوار .
16ـ المصدر نفسه .
17ـ ولدت السيدة نوال عام 1947م وتخرجت في كلية الآداب ، واحترفت التدريس وولد مهند عام 1959م ودرس هندسة الكهرباء في الجامعات اليوغسلافية ، ثم اضطرته الظروف إلى العودة إلى الوطن قبل إتمام دراسته . ينظر مهدي المخزومي وجهوده في الدراسات النحوية واللغوية :
18ـ وثيقة رقم : 5.
19ـ وثيقة رقم : 6.
20ـ ذكريات وأحاديث وحوار .
21ـ المخزومي في خطوط من تاريخ صداقة . وهي الكلمة التي ألقاها د. علي جواد الطاهر في الحلقة الدراسية التي أقامها اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في ذكرى أربعينية المخزومي .ونشرت في جريدة القادسية الصادرة بتاريخ 25/ أيار /1993 تحت عنوان " المخزومي في خطوط صداقة من تاريخ " والصحيح فيها " المخزومي في خطوط من تاريخ صداقة " . مخطوطة في حوزة الباحث .
22ـ ذكريات وأحاديث وحوار .
23ـ المخزومي الإنسان .
24ـ وصديقه هو الدكتور علي جواد الطاهر .
25ـ المخزومي في خطوط من تاريخ صداقة .
26ـ لقاء مع أسرة المخزومي بتاريخ 10/1/1994.
27ـ من رسالة للشيخ محمد رضا البغدادي . نقله د. عبد الجبار المطلبي في كلمته " المخزومي الإنسان " الملقاة في إتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بمناسبة أربعينية المخزومي .
28ـ المخزومي في خطوط من تاريخ صداقة .
29ـ زهير غازي زاهد ، وداعا أستاذنا المخزومي .
30ـ المخزومي في خطوط من تاريخ صداقة .
31ـ ممن رثوه د. محمد حسين آل ياسين بقصيدة مطلعها :
أمل في عيوننا ليس يخبو أيها الملتظي ليسعد شعب
نشرت في جريدة " العراق " بتاريخ 8/ أيار / 1993. ورثاه د. سعيد الزبيدي بقصيدة عنوانها " أنت الخليل " جاء فيها :
علمتني أن أمسك القلمــا وبان لي ملء الحروف فما
نشرت في جريدة " العراق " بتاريخ 5/نيسان /1994.
32ـ وثيقة رقم :5.
33ـ وثيقة : 6.
34ـ أضاف الأستاذ مصطفى السقا حينما اشرف على طبع الكتاب عبارة " على المنهج العلمي الحديث " دون أن يكون للمؤلف لا دخل في ذلك . هذا ما أشار إليه د. سعيد الزبيدي بتاريخ 15/12/1993 نقلا عن أستاذه المخزومي .
35ـ عبقري من البصرة : 5 .
36ـ من لقاء للدكتور سعيد الزبيدي مع الفقيد عند إهدائه نسخة من الكتاب بتاريخ 19/11/1989 .
37ـ مجلة الغري ، العدد الخامس ، 1939م .
38ـ مجلة الغري ، الأعداد :ـ 74، 75، 77، 78، 1941م .
39ـ مجلة الغري ، الأعداد : 22، 23، 24 ، 1945م.
40ـ مجلة الغري ،الأعداد : 19 ، 20 ، 21 ، 1945م .
41ـ مجلة الغري ، الأعداد : 3، 4 ، 11 ، 1945م .
42ـ مجلة الحضارة ، العدد: 38، 1945م .
43ـ مجلة الحضارة ، العدد: 36، 1945م.
44ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزءان الرابع والخامس ، 1945م .
45ـ مجلة البيان ، الأعداد : 4،3،1، 1946م .
46ـ مجلة الغري ، العدد : 19، 1947م .
47ـ مجلة المعلم الجديد ن الجزء الأول ، 1954م .
48ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثاني ، 1955م .
49ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الأول ، 1956م .
50ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثاني ، 1956م .
* مجلة المعلم الجديد ، العدد 19، 1956م .
51ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء السادس ، 1956م .
52ـ مجلة كلية الآداب والعلوم ، العدد الأول ، 1956م .
53ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثالث ، 1957م .
54ـ مجلة المعلم الجديد ، أيلول ، 1958م .
55ـ مجلة كلية الآداب والعلوم ، العدد الثاني ، 1957م .
56ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الرابع ، 1958م .
57ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثالث ، 1958م .
* رأي في الإعراب ، يوسف كركوش ، مقدمة الدكتور المخزومي له .
58ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الأول ، 1959م .
59ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثالث ، 1959م .
60ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الرابع ، 1959م .
61ـ مجلة المجمع العلمي في دمشق ، الجزء الرابع ، 1972م.
62ـ مجلة البلاغ ، تموز ، تشرين الثاني ، 1972م .
63ـ مجلة البلاغ ، العدد الخامس ، 1973م .
64ـ مجلة الرابطة ، العدد الثاني ، 1975م.
65ـ مجلة الرابطة ، العدد الرابع، 1975م.
* مجلة البيان الكويتية ، العدد : 125، 1976م .
66ـ مجلة المعلم الجديد ، الجزء الثاني ، 1978م .
67ـ مجلة جامعة الموصل ، العدد الثاني ، 1978م .
68ـ مجلة ألف باء ، العدد : 533، 1978م .
69ـ مجلة جامعة الموصل ، العدد التاسع ، حزيران ، 1980م.
70ـ مجلة الكاتب العربي ، العدد : 16، 1986م.
71ـ مجلة الكاتب العربي ، دون عدد ، 1986م .
72ـ أرسلت هذه المقالة إلى مجلة مجمع اللغة العربية الأردني ولم تنشر .
73ـ شعراء الغري : 12/ 287.
74ـ المصدر نفسه : 12/ 287.
75ـ أشار إلى ذلك المرحوم أحمد ناجي القيسي :ـ في حديث له مع د. سعيد الزبيدي عام 1984م .
76ـ البند في الأدب العربي ، عبد الكريم الدجيلي : 166.



بواسطة Abied Alsulaiman في 17/06/2008 12:56:46 (218 القراء)

مرتكزات نظرية الترابط النصي

الدكتور
رياض السواد

اللغة مجموعة ألفاظ تأتلف فيما بينها بنظام يختلف من لغة إلى أخرى ، أو قل من فصيلة إلى فصيلة ، وفق نماذج يتدخل في بنائها النظام الفكري لأي أمة من الأمم . والعربية لغة من اللغات الحية لها ما يميزها في نظامها الداخلي الموجب لتكوين الجمل أو الكلام بصورة عامة . والبحث دراسة لهذا النظام الذي تأتلف عليه ألفاظ العربية ، وبيان لسبل الربط بين أجزائه التي تقوم بتأليفه وتكوينه بحيث يكون مفهوما يحسن السكوت عليه باصطلاح النحاة . وهو أمر تطلب أن يجعل البحث على قسمين : اختص الأول بدراسة العلاقة الاسنادية التي تكون سببا في ربط أجزاء الجمل فيما بينها اسمية كانت أم فعلية ، وأما الثاني فكان مختصا بعلاقة أخرى سميت بإزالة الشيوع ، ولعلّها تسمية مستحدثة ، ولكن أريد بها أن تكون شاملة لمواضع الاختصاص والبيان أو التبيين والتقييد أو ما شابه ذلك من علاقات يمكن أن تندرج تحت هذا المفهوم ( إزالة الشيوع ) .
ولا بد من الإشارة في هذا الموضع إلى أن هناك مجموعة من الدراسات وضعت في هذا المجال لعلّ أهمها دراسة الدكتور مصطفى حميدة ( نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية ) إلا أنها دراسة بقيت تدور في المجال النحوي المألوف إذ حاول الأستاذ الجليل أن يبين جذور فكرة الارتباط ومفهومها وعلاقات الارتباط ووسائله في العربية . في حين جاء ت هذه الدراسة لتبين أهم ركيزتين في الارتباط النصي وهما الإسناد وإزالة الشيوع ، إذ يرى البحث أن العربية لغة تقوم على هذين ، وهو وإن لم يتوسع في ذكر بقية العلاقات مما له ارتباط بأجزاء الفقرة الثانية ، إلا أنّه حاول أن يعالج ما هو أساس لذلك كله ، فإليه ( إزالة الشيوع ) مرجع علاقات كثر كما الحال في أدوات المعاني وتضمنها المعاني التي توضح فيما هو واقع بعدها .
أسأل الله سبحانه أن يوفقني لما هو خير .
رياض





وهو (( ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة . أي على وجه يحسن السكوت عليه )) (1) ويجري في العربية في بناءين أساسيين الأول ما يمكن أن يصطلح عليه بالبناء الاسمي الذي يجري في المبتدأ والخبر . وأما الثاني فهو البناء الفعلي الذي يؤسس له الفعل والفاعل ونائبه . وفي البناءين المتقدمين تسير المعادلة اللغوية باتجاه إمكانية الترابط بين أجزائها في أشكالها المشار إليها وفق علاقات لغوية فكرية محضة تجعل من الكلام ذا بعد يحسن السكوت عليه على حذ ّ اصطلاح النحاة .
وسيحاول البحث أن يعالج إمكانية وسبل الترابط بين الأبنية اللغوية بأشكالها المختلفة وعلى النحو الآتي .

وفي طريقة الترابط بين أجزاء هذا البناء مجموعة نظريات أقدمها وأوسعها في مجالات الدراسة اللغوية نظرية سيبويه القائمة على صفة الربط بين جزأي المعادلة اللغوية ( المسند والمسند إليه ) (( فالمبتدأ كل اسم أبتديء ليبنى عليه الكلام ، فالمبتدأ والمبني عليه رفع . فالابتداء لا يكون إلا بمبني عليه ، فالمبتدأ الأول والمبني عليه ما بعده . فهو مسند ومسند إليه . وأعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبني عليه شيء هو هو أو يكون في مكان أو زمان .... فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء ، وذلك قولك : عبد الله منطلق ، ارتفع عبد الله ؛ لأنه ذكر ليبنى عليه المنطلق ، وارتفع المنطلق ؛ لأن المبني على المبتدأ بمنزلته ))(2).
وفي مقام آخر ذكر ما نصه : ((وهذا عبد الله معروفا ، فهذا اسم مبتدأ بني عليه ما بعده وهو عبد الله ، ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى بني عليه أو بني على ما قبله . فالمبتدأ مسند والمبني عليه مسند إليه ))(3).
ولعل أهم ما يميز هذه النظرية أن الترابط بين جزءي المعادلة اللغوية الاسمية ( المسند والمسند إليه ) لا يكون إلا بصفة كون المبني عليه ( الخبر) عين المبتدأ في المعنى ، أو في اصطلاح آخر أن يكون هو هو ( 4) . على حدّ تعبير سيبويه . ولعل هذه الصفة التي تميزت بها العربية عمّا سواها من لغات هندوأوربية جعلت من تركيبها ذا طبيعة خاصة إذا ما أريد له أن يترابط وذلك وفقا لفكر أصحابها الناطقين بها . فالقضية الحملية في العربية تختلف عنى الحملية في لغات من نحو الفارسية واليونانية والانكليزية : (( فكما أنّ اللغة الفارسية واليونانية تستلزم تصور القضايا الحملية على أنّها من باب ثبوت شيء لشيء لذلك يذكر فيها الربط بين الموضوع والمحمول وهو أست أو أستين . بينما اللغة العربية تصور للذهن أنّ القضية الحملية من باب الهوهوية بين الموضوع والمحمول . نحو : زيد قائم ، لذلك حينما يعبرون عن نسبة الربط فيها يذكرون ضمير الشأن وهو لفظ هو )) (5).
ومعنى هذا أنّ العربية تقول مثلا : الصدقة تدفع البلاء ، وتصور للذهن اتصاف الخبر (تدفع) بالمبتدأ بحيث يكون جزءا منه أو كالجزء بتعبير أدق ، ولذا نجد فيه ( الخبر ) ضميرا يعود على المبتدأ ، والتقدير فيه : الصدقة تدفع هي البلاء . وفي مفهوم أصحاب هذه النظرية أنّ الرابط بين جزأي المعادلة ( المسند والمسند إليه ) هو هذا الضمير . في حين تقول الفارسية في حال الترجمة الحرفية للتركيب المتقدم : صدقة دفع بلا أست ، والتقدير : الصدقة تكون دفع بلاء ، في حال تقديم الرابط ليتماشى مع قوانين العربية . وفيه يلاحظ الفرق واضحا بين التصورين العربي والفارسي لهذا القول المشهور . ويمكن أن نجد عين التصور الثاني في اللغة الانكليزية لاسيما أنّها لغة هندواوربية وهناك تشابه واضح فيما تتصوره ذهنية أصحاب هذه اللغات من القضايا الحملية ، فتركيب من نحو : Mohammed is your brother ويقابله في العربية محمد أخوك ، وطرفاه Mohammed and your brother ولكن الطرفين لا يمكن لهما أن يترابطا من دون الكينونة التي تصور للذهن ثبوت الأخوة لمحمد وهي في الجملة المذكورة ) is ( وهم محتاجون إليها لخلق هذا الترابط بأفعال مساعدة يسمونها ال (verb to be ) وهي : is , am , are , was , were , shall , will .
وقد أدرك سيبويه ومعه الكوفيون صورة الربط في العربية باعتبارات النظرية المتقدمة ، ولذا قسم الخبر أو المبني عليه باصطلاحه على قسمين : أن يكون هو هو أو يكون في مكان أو زمان ، وكأنّما المكان والزمان مخرجان الخبر من الاتصاف بالمبتدأ ، وهذا ما يفسر قول الكوفيين بأنّ الظرف الواقع خبرا من نحو : زيد أمامك منصوب بالخلاف . ( 6 ) ويفسر في الوقت ذاته بحث النحاة عن خبر غير الجار والمجرور والظرف ويقدرونه في جملة من نحو : زيد أمامك : كائن أو مستقر أو كان أو استقر ( 7 ) . وفي أمرهم هذا كأنما يلجأون للبحث عن الهوهوية التي لا يمكن تحصيلها بالظرف والجار والمجرور ، ولذا يجدونها واضحة في المقدر أو ما سموه بالمتعلق بفتح اللام .
وأمّا النظرية الثانية فهي النظرية التي تبني المكون اللغوي على أساس المباحث الفلسفية وما تتركه من تصورات في ذهن المتكلم ، ولعلّها متأتية من المباحث الفلسفية الأولى التي كتبت باللغة اليونانية وما يحمله أصحابها ( أفلاطون وسقراط وغيرهما ) من تخيل لصورة الاندماج اللغوي وتراكب الألفاظ في ذهن صاحبها . ولذا يشترطون في البناء المتقدم توافر العناصر الثلاثة : الموضوع والمحمول والرابطة .(( فالموضوع هو الذي يسميه النحويون المبتدأ وهو الذي يقتضي خبرا وهو الموصوف ، والمحمول هو الذي يسميه النحويون خبر المبتدأ وهو الصفة ))( 8 ) ويشترطون لربط الموضوع بالمحمول وجود الرابطة أو الرابط وهو عبارة : ( عمّا يوجب جعل أحد جزأي الحملية موضوعا والآخر محمولا كهو وكان ويكون ووجد ويوجد ونحو ذلك ) ( 9 ) .
وقد أخذت هذه النظرية حيزا لا بأس به من التفكير النحوي قديما وحديثا يشعر به أحيانا ويقوله النحوي من حيث لا يعلم أحيانا أخرى . ولعلّ أهم آثارها :
1. تقدير المتعلق ( بفتح اللام ) في مسائل من نحو الظرف والجار والمجرور الواقعان خبرا . ففيهما ما يوجب ذلك التعلق بحكم أّن بعض ألفاظ الجر كـ ( في وعلى والباء وغيرها ) والظروف من نحو : ( عند وفوق وتحت )تحمل في معناها مفهوم الحلول أو ما يصطلح عليه بالظرفية . فلو أنّا قلنا : محمد في الدار أو عندك ، حمل التركيب معنى حلول محمد في الدار أو استقراره فيها بالظرفية التي تفهم من لفظ ( عند ) . وقد لاحظ النحاة فكرة الحلول هذه أو ما يمكن أن يصطلح عليها بالظرفية أو الوعاء على حد اصطلاح سيبويه إذ قال : (( وأما( في) فهي للوعاء ، تقول : هو في الجراب ، وفي الكيس ، وهو في بطن أمّه وكذلك هو في الغلّ، لأنّه جعله إذا أدخله فيه كالوعاء له ، وكذلك هو في القبة ، وفي الدار )) (10).وأشار الفراء إلى المعنى ذاته بحيث أنّه يصطلح على الظرف المحل أو الحلول . (11)(. والى ذلك استند ابن مالك في قوله :
الظرف وقت أو مكان ضمّنا ( في )باطّراد كـ(( هنا امكث أزمنا))

2. استعملت العرب الكينونة المشار إليها وبالصفة ذاتها التي استعملت فيها وهي في لغات هندو أوربية من دون أن تعطي أي معنى غير الذي يفهم من إفادة الربط كقول الشاعرة : ( 12)
أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل
يقول المخزومي : ( ولكن الجملة العربية – فيما يبدو – كانت تتضمن في استعمالاتها القديمة شيئا من هذا معبرا عنه بفعل الكينونة ، ولكنه انقرض في الاستعمال الشائع وبقيت له آثار احتفظت بها بعض الشواهد ) (13).
3. وتظهر الكينونة واضحة فيما عرف عند النحاة بالمسألة الزنبورية ، ومفادها مناظرة بين الكسائي وسيبويه على (( كنت أظن أنّ النحلة أشدّ لسعا من الزنبور . فإذا هو هي أم فإذا هو إياها ؟ . وقد أجاب سيبويه بحكم القياس : فإذا هو هي . فخطّأه الكسائي مدعيا أن العرب تقول فإذا هو إيّاها ))(14). وحقيقة الأمر أنّا لا نجزم بصحة جواب دون جواب إلا أن القصد أو قل المعنى الذي أراده سيبويه : هو يشبه هي ، وعين المعنى أراده الكسائي ولكنه أعمل الفعل يشبه فيما بعده فجاء بالضمير منصوبا لاقتضاء الفعل مفعوله . وهذه بطبيعة الحال هي الكينونة التي يحاول أصحاب هذا المذهب اللغوي إثباتها في الدراسات اللغوية التي تهتم بتركيب النص العربي.
وبعد هذا سأحاول أن أعرض لأشكال المكون الاسمي والتي من خلالها يمكن بيان طريقة الربط في البناء الاسمي . فالجملة الاسمية يمكن أن تأتي على الأشكال الآتية :
أ‌. زيد قام أبوه .
ب‌. السمن منوان بدرهم .
ت‌. لباس التقوى ذلك خير .
ث‌. الحاقة ما الحاقة .
ج‌. نطقي الله حسبي .
ح‌. زيد قائم .
خ‌. زيد أخوك .
د‌. زيد أسد .
ذ‌. زيد في الدار أو عندك .
ر‌. كيف حالك؟
ويلاحظ على ذلك ، أنّ الأنساق المتقدمة توزعت بين الإخبار والإنشاء بالوصف المعروف للجمل الخبرية والجمل الإنشائية ، وفيها أخذ الخبر أشكالا متعددة توزعت بين مجيئه جملة وبين مجيئه مفردا بصفة الجمود والاشتقاق . فأمّا الأنساق الثلاثة الأولى فقد جاء الخبر فيها جملة ولكنّها ليست عين المبتدأ في المعنى ولذا احتاجت إلى رابط يربطها بالمتقدم عليها ( المبتدأ ) وهو في الأولى الضمير ( الهاء ) وفي الثانية ضمير مقدر في ( منه ) والتقدير : السمن منوان منه بدرهم . وجاء في الثالثة إشارة وفي الرابعة تكرارا للمبتدأ . وأما النسق الخامس فقد جاء فيه الخبر جملة هي عين المبتدأ في المعنى ذلك أنّ الله حسبي يساوي نطقي ، وبناء على ذلك لم يحتج إلى رابط يربطه بالمبتدأ .
ويشترط النحاة الرابط فيما هو شبيه النسق السادس لمجيء الخبر فيه مفردا مشتقا ، فزيد قائم يساوي في التقدير : زيد قائم هو ، ولا يصح ترابط من دونه . ومجيء الخبر في النسقين السابع والثامن مفردا جامدا أوجب على رأي معظم النحاة إلا الكسائي والرماني (15) أن لا يكون فيه رابط يربطه بالمتقدم . وأمّا النسق التاسع ففيه ورد الخبر من جهة الشكل جارا ومجرورا وظرفا في جزئه الآخر ، ومن أجل ذلك يشترط النحاة إلا بعضهم (16) تعلق الجار والمجرور والظرف بشيء من قبيل الاسم أو الفعل وكأنهم يبحثون عن ذلك الرابط الذي لا يمكن تحصيله إلا في المتعلق ( بفتح اللام ) . وتميز النسق الأخير بمجيئه في حالة الإنشاء ، وموجبات الترابط فيه أن يكون محمولا على المشتق من جهة المعنى ، إذ ترد ( كيف ) بمعنى الكيفية وهي حاله توجب المعنى الاشتقاقي ، ولا يجوز لها أن ترتبط أجزاؤها ما لم تحمل المعنى المذكور . فهو من حيث الواقع طلب معرفة شيء وترابطه موجب لتقدير الكينونة أو الحصول أو ما شابههما من ألفاظ تحمل المعنى الذي يساعد على ربط جزأي الجملة . وأما النسق الذي يرد فيه التركيب شبيها لقولنا : أقائم زيد ؟ فهو من قبيل التركيب الفعلي ، وسيعالج أمره مع البناء الفعلي في المبحث الذي يلي هذا .
والجدول الآتي يوضح طريقة الترابط بين الأنساق المشار إليها :



ت المسند إليه الترابط الاسنادي المسند الرابط السبب
1 زيد زيد قام أبوه
قام أبوه
الهاء
الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى

2 السمن
السمن منوان بدرهم منوان بدرهم منه
الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
3 لباس التقوى
لباس التقوى ذلك خير خير ذلك الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى

4 الحاقة
الحاقة ما الحاقة
ما الحاقة التكرار

الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
5 نطقي نطقي الله حسبي الله حسبي لا يوجد
الخبر عين المبتدأ في المعنى

6 زيد زيد قائم
قائم
هو
الخبر مفرد تقدم الفاعل فيه على الوصف
7 زيد زيد أخوك أخوك لا يوجد
الخبر مفرد جامد
8 زيد زيد أسد
أسد
لا يوجد
الخبر مفرد جامد
9 زيد زيد في الدار في الدار هو(بتقدير كائن) تعلق الظرف والجار والمجرور بالكينونة
10 حالك كيف حالك؟ كيف لا يوجد تقدم الاستفهام على المستفهم وهو والحالة هذه يشبه : أقائم زيد ؟
والأنساق المتقدمة بأشكالها المختلفة إنّما هي عبارة عن مجموعة ألفاظ ائتلفت فيما بينها فكونت كلاما يحسن السكوت عليه باصطلاح النحاة ، وهو في الوقت ذاته يحمل فكرة هي فكرة المتكلم التي يريد نقلها إلى السامع ، وليس لهذه الفكرة أن تكون مفهومة ومقبولة عند السامع ما لم تحاك ألفاظها المعبرة عنها بعلاقات تساعد على ربط الألفاظ فيما بينها . فمحمد لفظ يحمل معناه الدال على الاسمية وأخ لفظ كذلك دال على معنى الأخوة ، فإذا ما أريد التعبير عن كون محمد أخ لفلان قيل : محمد أخوك . فالجملة إذن مؤتلفة من لفظين هما في حال الانفصال لا يعبران عن المفهوم الذي تحصل من جملة : محمد أخوك بل يعبران عن معنى اللفظة في حال إفرادها ، والمعنى الذي تحصل من اندماج اللفظين معا إنّما كان بسبب من وجود علاقات معينة ساعدت اللفظين على الاندماج وتكوين مفهوم جديد يحسن السكوت عليه . ولعلّ أهم هذه العلاقات الموجبة للترابط بين أجزاء المكون الاسمي :
1. أن تكون الصفة الموجبة للخبر الذي يراد له أن يرتبط والمبتدأ بنظام الجملة العربية المبني على المسند والمسند إليه قائمة على أساس التخصص وهي التي يصير بها الخبر مختصا بالمبتدأ دون سواه أو أنّه يصبح معه كالجزء المكمل . ومن دون التخصص المذكور لا يكون ترابط بين مكونات النسق المشار إليه ، ومن هنا نفهم عدم صحة وقوع الجامد خبرا بدلالة الجمود الموجودة فيه ومن دون انزياح لمعنى اللفظة ليحمل معنى آخر غير الذي يظهر من الأصل ، وإذا ما أريد للفظة التي تحمل الصفة المتقدمة الوقوع خبرا احتيج معها إلى التخصيص إمّا بالإضافة أو تحميلها معنى مجازي تكون به خارجة عن الظاهر المعتاد لها لتدخل في اعتبارات القصد الباطن . فجملة من نحو : زيد أسد ليس لألفاظها أن تتحد فيما بينها لتكون المفهوم المستحصل من دون ذلك القصد الذي يجعل زيدا في التركيب المتقدم حاملا لصفة الشجاعة المراد تصورها باستعمال لفظ أسد ، وهذا التصور لم يتأت من لفظة أسد الجامدة بل من استعمالها في قصد الشجاعة .
2. ومن موجبات الصفة المشار إليها في الفقرة (1) ومن أجل اختصاص الخبر بالمبتدأ يحتاج المتكلم معها إلى ما يسمى بالعائد وهو وسيلة أساسية من وسائل الربط في العربية بين أجزاء التركيب الواحد . وفي التراكيب المتقدمة قد يأتي ضميرا أو إشارة أو تكرارا ، ومن دون ذلك تنتفي صفة التخصيص التي تعد الصفة الرئيسة الموجبة للترابط في المكون الاسمي . وقد أحس النحاة بذلك فأنكروا وقوع الجمل الإنشائية خبرا ، من نحو : زيد اضربه ، وما جاء منها بالصفة المذكورة مؤوّل عندهم بنحو : زيد مقول فيه اضربه (17) أو أنّ التركيب خضع لاعتبارات الانزياح في المفاهيم اللغوية وأنّ القصد منه غير الذي هو ظاهر من التركيب . ولعلّ السبب الموجب لذلك عدم القدرة على إيجاد العائد على المبتدأ . ونفهم من ذلك الشرط اشتراط البصريين للفظ الذي يراد له أن يقع خبرا وهو في حال الإفراد والجمود أن يتأوّل بالمشتق وكأنّهم أدركوا موجبات العلاقة التي تجعل من الخبر خاصا بالمبتدأ غير متصف بالعموم .
3. وصفة الاختصاص المشار إليها في المكون الاسمي والتي كانت مدعاة لهذا الترابط بين جزأي الجملة ( المسند والمسند إليه ) لا يمكن لها أن تستحصل من دون الفكرة الذهنية التي يحملها المتكلم والتي يريد منها اتصاف الخبر بالمبتدأ . وهذه الفكرة هي التي اصطلح عليه النحاة بالكينونة ، ولكن لا يشترط بها أن تكون بلفظ الكون ، بل قد تكون بلفظ المشابهة كقولنا : زيد أسد ، والتقدير: يشبه الأسد . وإلا من حيث الواقع لا يمكن للفظين أن يندمجا في مكون يحسن السكوت عليه من دون إرادة المشابهة أو الكينونة بالمعنى العام أو الحصول أو ما شابه ذلك من ألفاظ تؤدي الغرض من اتصاف الخبر بالمبتدأ أو قل تخصص الخبر بالمبتدأ . ومحصلة القول أنّ الترابط بين مكونات النسق الاسمي لا يمكن أن يكون من دون من دون توافر الشروط الثلاثة الموجبة لهذا الأمر وهي : الاتصاف والكينونة والرابط . وأما الحالات الآتي يعدم فيها الرابط والكينونة كما لو كان المسند مشتقا مقدما على المسند إليه من نحو : أ قائم الزيدان ؟ أو كان استفهاما من نحو : كيف حالك ؟ مقدمة فيه الأداة للعلة المذكورة ، فهو أمر متأت من تقدم المشتق أو المحمول عليه بتأويل الكيفية على المسند إليه إذ يقربه إلى حيث البناء الفعلي . ومعنى هذا أنّ بناء من نحو : زيد قائم ، محتمل للربط والكينونة ، في حين أن التركيب لو جاء بصيغة : أقائم زيد ؟ أصبح فعلا والفاعل جزء لا يتجزأ من فعله . وسيعالج الأمر بتفصيل أكثر في البناء الفعلي .







وأريد به البناء الذي يجري فيما سمي بالجمل الفعلية ، وهي التي تبدأ بفعل حسب تحديد ابن هشام لها ( 18 ) ، ويمتد هذا التحديد لما سمي عند الكوفيين بالفعل الدائم للتشابه القائم بينه والفعل من جهة الدلالة على الحدث المرتبط بالزمن ومن جهة العمل فيما بعده واقتضائه الفاعل والمفعول المكونين الرئيسين للبناء الفعلي . وقد اعتاد النحاة أن يجعلوا الترابط بين مكونات هذا النسق محمولا على الترابط بين مكونات البناء الاسمي المشار إليه سلفا ، فالجانب الشكلي للمكونين يجري باتجاه توافر المسند والمسند إليه الركنين الأساسيين الذين من خلالهما تحصل الفائدة الموجبة لحسن السكوت .
وحقيقة الأمر أنّ المركب الفعلي وإن جرى في حدود المسند والمسند إليه ، إلا أن الإسناد الموجب لحسن السكوت فيه يختلف تمام الاختلاف عن الإسناد الذي لاحظناه في المكون الاسمي والذي يقضي في سبيل الفائدة توافر العناصر الثلاثة التي أشير إليها سابقا وهي الاتصاف والكينونة والرابط , وأنّ المسند لا يمكن أن يتصف بالمسند إليه من دون العناصر المشار إليها . في حين يجري الإسناد في النظام الفعلي على مبدأ التخصيص أو إزالة الشيوع ، من جهة أنّ اللفظة الفعلية تلازم الفاعل كما تلازم الحدث والزمن ركنيها الأساسيين . فالإسناد الذي يجري في البناء الفعلي من باب التخصيص في حين أنّ الإسناد في البناء الاسمي من باب الاتصاف اتصاف الخبر بالمبتدأ .
ولعل النظرة النحوية المساوية بين الاثنين المركب الاسمي والمركب الفعلي من جهة الإسناد هي جزء من ذلك الإرباك الذي نلحظ آثاره في المنهج النحوي بطرقه وأشكاله المختلفة . فهم مثلا يعربون الضمير المنفصل في تركيب من نحو : اضرب أنت وضرب هو ، وما شابههما توكيدا ، جاء في إملاء ما من به الرحمن : ( اسكن أنت وزوجك الجنة ، أنت توكيد للضمير في الفعل أتى به ليصح العطف عليه ) ( 19) وهو يريد بذلك أنّه أي الضمير توكيد لفاعل استتر على حد فهمه في الصيغة الفعلية . ولم يقل مثل هذا في تركيب من نحو : ضرب زيد ، على الرغم من أنّه يجعل الضمير من الأسماء وهو وإن اختلف عن الأعلام إلا أنّه باق في حدود الاسمية . وواقع الأمر أنّ قولهم بأن الضمير المتقدم توكيد مشعر بأن الفاعل جزء الصيغة وهي متضمنة إياه ، وما إخراجه بتركيب من نحو : جاء زيد ، إلا من قبيل التحديد أو التخصيص لذلك المبهم المستتر أصلا في صيغته .
وقد أدرك النحاة أنّ الفاعل جزء الصيغة الفعلية وارتباطه والصيغة من جهة الالتزام وأنّ لكل فعل فاعل . فالفعل حدث ولا بدّ له من محدث ، يقول ابن جني بعد أن ذكر الدلالات اللغوية : ( فأقواهنّ الدلالة اللفظية ثمّ تليها الصناعية ثمّ تليها المعنوية ....فمنه جميع الأفعال ففي كل واحد منها الدلالات الثلاثة ، ألا ترى إلى قام ودلالة لفظه على مصدره ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله ....ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ، ثم تنظر فيما بعد فتقول : هذا فعل ولا بد له من فاعل ، فليت شعري . من هو وما هو ؟ فتبحث حينئذ الى أن تعلم الفاعل )) (20). ونتيجة لذلك حاول بعض النحاة أن يبحث عن سر العلاقة بين الفاعل وفاعله وإن بقي يدور في حلقة الثقافة النحوية التي تأسست على مبادئ من الفلسفة والمنطق ، إلا أنّه استطاع أن يؤسس لمفهوم جديد في العلاقة بين جزئي المعادلة اللغوية الفعل وفاعله . ولذا نجد السيوطي مثلا في الأشباه والنظائر يعقد مبحثا كاملا عن كون الفاعل جزء فعله وينزله منزلة الجزء باثني عشر دليلا (21):
أ‌. يسكن آخر الفعل لضمير الفاعل لئلا يتوالى أربع حركات كضربت وضربنا ولم يسكنوه مع ضمير المفعول .
ب‌. جعلوا النون في الأمثلة الخمسة علامة رفع الفعل مع حيلولة الفاعل بينهما ولولا أنّه كالجزء من الفعل لم يكن كذلك .
ت‌. أنّهم لم يعطفوا على الضمير المتصل المرفوع من غير توكيد لجريانه مجرى الجزء من الفعل واختلاطه به .
ث‌. أنهم وصلوا تاء التأنيث بالفعل دلالة على تأنيث الفاعل .
ج‌. يقولون : ألقيا وفقا مكان ألق ألق ، ولولا أن ضمير الفاعل كالجزء من الفعل لما أنيبت منابه .
ح‌. النسب إلى (كنت ) كنتي ، ولولا جعلهم التاء كالجزء من الفعل لم تبق مع النسب .
خ‌. أنّهم ألغوا ظننت إذا توسطت أو تأخرت ولا وجه إلى ذلك إلا جعل الفاعل كجزء من الفعل الذي لا فاعل له ، ومثل ذلك لا يعمل .
د‌. امتناعهم من تقديم الفاعل على الفعل كامتناعهم من تقديم بعض حروفه على بعض . جاء في شرح ابن الناظم تفسيرا لهذا الأمر:(لأنه كالجزء من الفعل ولأنّ الفعل يفتقر إليه معنى واستعمالا،فلم يجز تقديم الفاعل عليه كما لم يجز تقديم عجز الكلمة على صدرها) (22).
ذ‌. جعلهم حبذا بمنزلة جزء واحد لا يفيد مع أنّه فعل وفاعل .
ر‌. من النحويين من جعل حبذا في موضع رفع بالابتداء وأخبر عنه ، والجملة لا يصح فيها ذلك إلا إذا سمي بها .
ز‌. جعلهم (ذا) في حبذا بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث كما يفعل ذلك في الحرف الواحد .
س‌. قالوا في تصغير حبّذا ما أحيبذه ، فصغروا الفعل وحذفوا منه إحدى الياءين .
ومن إدراكهم كون الفاعل جزء الصيغة ما ذهبوا إليه من دلالة حروف المضارعة على فاعلها ، يقول ابن جني : (( ويدلك على تمكن المعنى في أنفسهم وتقدمه للفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة .... وعلى ذلك تقدمت حروف المضارعة في أول الفعل إذ كنّ دلائل على الفاعلين من هم وما هم وكم عدتهم )) ( 23) . ولكنّ النحاة ومع الذي ذكر من علاقات ومبررات توجب جعل الفاعل جزء الصيغة الصرفية ، لم يقر أحدهم باشتمالها على فاعلها وجعلوها مشتملة من حيث الصياغة على عنصري الحدث والزمن . ولعلّ الذي يدعوهم لذلك نظرة فلسفية محضة ، فجملة من نحو : جاء زيد ، لا يسطيع النحوي من خلالها أن يحكم باشتمال صيغتها الفعلية على الفاعل ، لأنّ الأمر سيضطره إلى القول بوجود فاعلين لفعل واحد وقد حكم ابتداء بفاعلية الاسم ( زيد ) في التركيب المتقدم . وقد يكون ما ذهب إليه النحاة مبررا من جهة أنّهم رأوا ما يميز الفاعل في التركيب كلفظ زيد في نحو : قام زيد ، وعليه منطبق الحد الذي وضعوه للمادة وهو ما شابه قولهم : (( هو ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدم عليه على جهة قيامه به )) (24). ولكنّ ذلك الانطباق إنّما يكون من جهة ورود زيد في التركيب المتقدم محددا لذلك الفاعل المبهم الذي احتوته الصيغة وليس هو الفاعل بحد ذاته .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ الأفعال بطبيعتها إنّما تبنى على أحداثها التي كونتها مع عنصر الزمن ، وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بها ، فالمكون الفعلي وفقا لنظام الحدث الموجب لصيغته محتاج في تفسيره لطبيعة خاصة تختلف تماما عن تلك الطبيعة التي لحظناها في المكون الاسمي . بمعنى أن فكرة الإسناد في هذا المكون لا تقوم من حيث الواقع على توافر المسند والمسند إليه في الجملة الفعلية، وقد عرفنا سابقا أنّ توافر هذين العنصرين في النظام الاسمي موجب لتحديد الجملة وإعطاء الفكرة التامة التي يحسن السكوت عليها . وقد اعتادت الرؤية النحوية أن تجعل من الإسناد العلة الأساسية التي تساعد الجمل ، فعلية كانت أم اسمية على ترابط مكوناتها فيما بينها ، ولذا قالوا بأنّ الإسناد : (( ضم كلمة إلى كلمة على وجه الإفادة التامة )) (25). وإذا ما أرادوا تطبيق ذلك التعريف على بناء من نحو : قام زيد ، ذهبوا إلى أن المسند فيه هو لفظ قام وانّ لفظ زيد هو المسند إليه . وهو أمر مقبول في حدود هذا المركب ، ولكنه ليس مقبولا في تركيب من نحو : ضرب زيد عمرا ، فلسنا مضطرين إلى الحكم بأن الإفادة التامة المشروطة في تعريفهم للإسناد المتقدم الذكر قد انطبقت على هذا التركيب ، إذ لا يمكن السكوت في حدود المسند إليه وهو لفظ زيد من تركيب : ضرب زيد عمرا ، بمعنى أن حدث الضرب الذي مثله الفعل ضرب ، لا يمكن له أن يتمم معناه بحدود المرفوع بل هو محتاج من حيث الواقع إلى المنصوب .
ولأجل توضيح ذلك أعرض لمجموعة من الجمل ذات السياق الفعلي لمعرفة طبيعة الإسناد فيها وارتباط ذلك بالحدث ، وعلى النحو الآتي :
أ . قام أو يقوم زيد .
ب . ضرب زيد عمرا .
ت . أعطى زيد محمدا درهما .
ث . مررت بزيد .
ج . أصبح زيد قائما .
ح . أ قائم الزيدان ؟ .
ويلاحظ على ذلك أنّ الطبيعة التي وردت عليها الصيغ الفعلية في الأمثلة المتقدمة جاءت على شكلين أساسيين ، تمثل الأول باكتفاء الصيغة بمرفوعها في ظاهرة يطلق عليها اللزوم ، وتمثل الثاني بحاجة الصيغة إلى متمم بعد المرفوع ، ويسمونها التعدي . مع فارق الرؤية في التفسير النحوي للظاهرة المتقدمة ( التعدي واللزوم ) ، إذ نجد من النحاة من يفسر اللازم من الأفعال بما اكتفى بفاعله والمتعدي منها ما أخذ مفعولا ، في حين يتوسع آخرون ليجعلوا المتعدي بالواسطة - على حدّ تعبيرهم - من قبيل الأفعال اللازمة . (26). وبطبيعة الحال أنّ الأمر محدد بالحدث الذي تبنى عليه الصيغة ذاتها ، وأنّ دراسة الأفعال بالطبيعة الحدثية أولى لها من أن تدرس بطريقة التعدي واللزوم . فالقيام حدث وهو محتاج إذا ما أريد له أن يلفظ من المتكلم ليخرج كلاما يحسن السكوت عليه إلى بيان القائم ، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك ، إلا إذا ما أريد للفظة القيام أن تأخذ معنى أخر غير الذي أسست له بمفهوم الانزياح اللفظي ، كقولنا : فلان قام على الأمر : ويلاحظ فرق المعنى بين الاثنين ، فقام الأولى التي وردت في المثال : قام زيد ، غير قام الثانية الواردة في : قام على الأمر . والإعطاء الذي مثلته لفظة أعطى ، يحتاج إلى معط ومعطى له وشيء معطى ، والضرب واقعا يحتاج إلى الضارب والمضروب ، وكذا الفعل( مرّ) من : مررت بزيد ، فإنّ حدثه ( المرور ) يحتاج إلى المارّ ( الفاعل) والى بيان الشيء الذي حصل المرور به . ومن هنا نفهم وجه التشابه في الحاجة إلى فاعل بين التركيبين : قام زيد و أقائم الزيدان ؟ مع فارق المعنى الذي يوجبه البناء بشكليه فعل وفاعل . ولكنّ الحدث الذي أنبنى عليه الاثنان هو حدث القيام .
وخلاصة القول أنّ الإسناد في النظام أو السياق الفعلي الموجب للترابط بين أجزاء المعادلة الفعلية إنّما يقوم على ركنين أساسيين هما : التخصيص ونوع الحدث الذي تتركب الصيغة الفعلية منه .










1. التعريفات : 43
2. الكتاب : 2/ 126
3. المصدر نفسه : 2/ 78
4. يصطلح بعض الأصوليين على ذلك ب ( الهوهوية ) ويريدون بها أن يكون الخبر عين المبتدأ في المعنى . ينظر : الرافد في علم الأصول : 55
5. المصدر نفسه : 55
6. مذهب الكوفيين أن الظرف الواقع خبرا من نحو : زيد أمامك ، منصوب بالخلاف . ويريدون به أن الخبر ليس عين المبتدأ في المعنى . ينظر : الإنصاف في مسائل الخلاف : 1 / 245 ( م 29 ).
7. ينظر على سبيل المثال : الإنصاف في مسائل الخلاف : 1 / 245
8. الحدود الفلسفية : الخوارزمي : بضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب : 216
9. شرح ألفاظ الحكماء : بضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب :324
10. الكتاب : 4 / 226
11. الأصول في النحو : 1/ 204
12. نسبه البغدادي لفاطمة بنت أسد ، تنظر الخزانة : 9 / 228 ، وهو من شواهد ابن عقيل في شرحه على الألفية :1/ 292 و الهمع:1/ 438 .
13. في النحو العربي نقد وتوجيه : 35 – 36. وينظر الزمن في النحو العربي : 88
14. ينظر تفصيل المسألة في : الإنصاف في مسائل الخلاف : 2/ 702 ، م ( 99 ).
15. ينظر : شرح ابن عقيل : 1 / 205
16. لا يشترط ابن مضاء القرطبي التعلق في الجار والمجرور . ينظر : الرد على النحاة : 87
17. ينظر تفصيل المسألة في نحو : شرح ابن عقيل : 3 / 200
18. ينظر مغني اللبيب : 2 / 492
19. إملاء ما من به الرحمن : 30
20. الخصائص :3 / 69
21. ينظر : الاشياه والنظائر : 2/ 66
22. شرح ابن الناظم : 219
23. الخصائص : 1/ 225
24. شرح الوافية : 124
25. التعريفات ، الجرجاني : 43
26. المتعدي من الأفعال عند الفارسي ما أخذ مفعولا به صريحا تظهر عليه الحركة المخصصة لذلك ومعنى ذلك أنّه لا يعد ما وصل إلى مفعوله بواسطة حرف من حروف الجر متعديا ، في حين أن المتعدي عند ابن جني ما وصل إلى مفعوله بحرف أو بدونه . ينظر : المقتصد في شرح الإيضاح : 1 / 344 و اللمع : 118 – 119.















وأمّا الجزء الآخر من مقومات الترابط النصي فهو ما يمكن أن يصطلح عليه بإزالة الشيوع . وأريد به أن تكون اللفظة محتملة للعموم الموجب في سبيل إيضاحه للفظة أخرى تقوم بوظيفة التوضيح في النص العربي. أو أنّ اللفظة من الإبهام ما تحتاج معه إلى لفظة أخرى تقوم بدور التوضيح أو قل إزالة الإبهام .وفيما يلي عرض للمواضع اللغوية التي تؤدي هذا الدور وهي واسعة في النحو العربي ، سأحاول الاقتصار على ما هو مهم يستطاع من خلاله أن يفهم دور هذا الركن في بناء النص العربي وبيان ملامح الربط فيه .

وهو ما يمكن أن نلحظ آثاره فيما سمي عند النحاة بالنعت وعطف البيان ، وهما موضعان منفصلان عن بعضهما بحسب العرف النحوي ، ولكن نظرة إلى الواقع اللغوي الذي يجري به الموضعان تضطرنا إلى الجمع بينهما في موضع واحد تحت اسم البيان . وليس الأمر بدعا من القول بل هو مذهب ابن السراج في أصوله فعطف البيان عنده نعت ولكن العرب امتنعت من أن تجريه على النعت ، لان النعت يجري في المشتق وعطف البيان يجري في الجامد (1).
ووجه الشبه بين الاثنين هو أنّهما يؤديان وظيفة التخصيص والتحديد لما هو متقدم عليهما . فقولنا : جاء الرجل ، يحتمل أن يكون الجائي من الرجال طويلا أو قصيرا أو ذكيا أو ما شابه ذلك من الأوصاف ، وتحديده بنحو : جاء الرجل الطويل ، رافع للإبهام ومحدد لصنف الجائي منهم . ولذا نرى سيبويه يذهب إلى كون النعت من المنعوت كالاسم الواحد (2).وعين هذا المفهوم يمكن استحصاله من عطف البيان ، فقولنا : أقسم بالله أبو حفص ، نلاحظ فيه أمكانية إطلاق الكنية ( أبو حفص ) على مجموعة أشخاص غير ( عمر ) وما قولنا بلفظ ( عمر ) إلا تحديد وتخصيص لذلك الذي خصته هذه الكنية . وفي أصول ابن السراج : ( تقول : يا هذا الطويل أقبل في قول من قال : يا زيد الطويل ، ومن قال : يا زيد الطويل قال : يا هذا الطويل ، وليس الطويل بنعت لهذا ولكنّه عطف عليه ، وهو الذي يسمى عطف البيان ، لأنّ هذا وسائر المبهمات إنّما تبين بالأجناس . ألا ترى أنّك إذا قلت : جاءني زيد ، فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع أو الزيود ، قلت : الطويل )) (3). ومعنى هذا أن النعت والبيان يزيلان الاشتراك الموجب للصيغة التي تقع قبلا ، ذلك أنهما لا يقعان إلا بعد مشترك على حد قول الأعلم ( 4). والمخطط الآتي يوضح الأمر.



ويراد بها صلة الموصول التي تؤدي وظيفة إزالة الإبهام في الموصول حرفيا كان أم اسميا . ولعل السبب الموجب لذلك وقوع الموصول كما الإشارة في حيز الإبهام . ولذا نجد من النحاة من يجمع بين الموصول والإشارة في باب واحد تحت اسم المبهمات ( 5 ) . فالموصولات (( كلها سواء كانت اسمية أم حرفية مبهمة المدلول غامضة في المعنى .... فلا بدّ لها من شيء يزيل إبهامها وغموضها وهو ما يسمى الصلة . فالصلة هي التي تعيّن مدلول الموصول وتفصّل مجمله وتجعله واضح المعنى كامل الإفادة )) ( 6 ) فتركيب من نحو : جاء الذي ، محتمل لأن يكون الجائي : قال كلمة ، هو محسن ، نطق بالحق .... الخ وتحديده بواحد مزيل لذلك الإبهام .



بشكليه الإضافة ومع الألف واللام ، فواقعه أنّ إبهاما أو شيوعا يقع على اللفظة السابقة ويراد منها أن يزال هذا الإبهام ليحصل تقييد وتخصيص لها . يقول ابن السراج بعد ذكره لإضافة اسم الفاعل : (( كل ذلك إذا أردت به معنى المضي لم يجز فيه إلا هذا يعني الإضافة والخفض لأنه بمنزلة قولك : غلام عبد الله ..... ألا ترى أنّك لو قلت : غلام زيدا ، كان محالا فكذلك اسم الفاعل إذا كان ماضيا ، لأنه اسم وليس فيه مضارعة للفعل لتحقيق الإضافة وأنّ الأول يتعرف بالثاني )) (7) ومراده من هذا أن صفة الإضافة تعريف الثاني للأول من الألفاظ ، ولا ينعكس الأمر. ولذا لا يجوز أن يعرف الشيء نفسه وقد صار في موضع الإبهام والتعدد في المفهوم : (( فان قيل : ولم لم يضف الشيء إلى نفسه ، قيل : لأن الغرض في الإضافة إنّما هو التعريف والتخصيص ، والشيء إنّما يعرفه غيره ، لأنّه لو كان نفسه تعرفه لما احتاج أبدا أن يعرف بغيره ، لأن نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة وموجودة غير مفتقدة ، ولو كانت نفسه هي المعرفة له أيضا لما احتاج إلى إضافته إليها )) (8). ومعنى هذا أنّ المكون الاسمي الذي يقع نكرة من نحو : صاحب ، تتعدد مفاهيمه من جهة إمكانية إطلاقه على متعدد معنى ، فقد يكون ذلك المتعدد لفظا من نحو : فكر أو دار أو بيت أو خير أو ما شابه ذلك . ولو قيل : صاحب فكر، حصل التحديد لذلك الإبهام باللفظة المذكورة دون سواها .

ولما كانت الإضافة تجري بطريقين على حد فهم سيبويه والمبرد وآخرون وهما إضافة الاسم إلى اسم وإضافة اسم إلى حرف كان من الطبيعي أن ينجر هذا الفهم ( إزالة الشيوع )على ما هو مجرور بحرف جر من نحو : مررت بزيد . يقول سيبويه : (( واعلم أن المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء : بشيء ليس باسم ولا ظرف وبشيء يكون ظرفا وباسم لا يكون ظرفا ، فأما الذي ليس باسم ولا ظرف فقولك : مررت بعبد الله وما أنت كزيد )) (9) وفي المقتضب : (( فمن المضاف إليه ما تضيف إليه بحرف جرّ ومنها ما تضيف إليه اسما مثله )) ( 10) ووضوح الأمر أكثر عند الرضي ، إذ ذهب إلى أنّ الجار والمجرور مضاف ومضاف إليه إلا أنّه خلاف ما اعتاد عليه القوم (( فأنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه ...أما من حيث اللغة فلا شك أن زيدا في : مررت بزيد مضاف إليه )) (11).
وظاهر الأمر أن العربية أجرت إضافة الاسم إلى اسم مثله في المكون الاسمي وإضافة اسم إلى حرف في المكون الفعلي . وهذا ما يجعلني أميل إلى القول الذي يذهب إلى أن الحرف ما دلّ على معنى في نفسه أو أنه دال على معنى ولكنه محتاج إلى غيره في تحديده وتميزه (12). فقولنا : مررت بزيد، يكون لفظ زيد فيه مزيلا لإبهام الباء ومحددا إيّاها وقد تعدد معناها بإمكانية أن يكون الشخص الذي مررت به زيدا أو عمرا أو عليا .

هذا من جهة ومن جهة أخرى فان التعريف بطريقه الآخر وهو الجاري بالألف واللام ، سلك الطريق المذكور . ولكن النحاة قلبوا المعادلة اللغوية فأجروه بطريق تعريف الألف والآم لما بعدها ( مدخولها ) فلفظ من نحو : رجل ، في المفهوم المعتاد نكرة وإدخال الألف واللام عليه مزيل لهذا التنكير رافع إياه ومدخل اللفظة في حيّز التعريف . وعليه - بحسب الفكرة النحوية - يصبح السابق معرفا اللاحق خلاف المنطق اللغوي الذي يوجب جعل اللاحق محددا ومقيدا ومعرفا لما سبقه . ولعل من الأدلة التي تثبت أداء ما عدّ معرفا ( بفتح الراء) دور التعريف في اللفظة المتصلة بأل :
1. مذهب الكوفيين وبعض البصريين وكثير من المتأخرين – على حد قول ابن هشام – يجيز نيابة أل عن الضمير المضاف إليه ، وخرجوا على ذلك قوله تعالى : (( فإن الجنة هي المأوى )) ( النازعات : 41 ) ومررت برجل حسن الوجه . والتقدير : هي مأواه وحسن وجهه . ( 13 ) . ويذكر ابن هشام في الوقت ذاته أنّ الزمخشري كان يقول في قوله تعالى : (( وعلّم آدم الأسماء كلّها )) ( البقرة : 21) أن الأصل فيه أسماء المسميات ، وهو ما يستدعي نيابة أل عن الاسم الظاهر ، وقد تنوب عن الظاهر وضمير الحاضر وهو مذهب أبي شامة ، في نحو : بدأت ببسم الله في النظم أولا . ليكون الأصل : في نظمي ( 14 ). ونيابتها عن الظاهر من الأسماء والمضمر منها موجب للاعتراف بقدرتها على الحلول محل الأسماء وحاجتها إلى معرف وموضح يزيل إبهامها .
2. وقوعها موقع الموصول في ألفاظ من نحو : القائم والمقتول ، وهو أمر اضطر بعض النحاة إلى أن يحكموا بإفادتها الوصل لا التعريف . ولعل الذي يدفعهم إلى ذلك ما لاحظوه من عمل لاسم الفاعل والمفعول فيما بعدهما ، وكأنما لا يستقيم أمر ورود التعريف مع العمل ، وهو ما صرح به ابن هشام في مغني اللبيب ( 14 ) . ولعل الصورة التي ترد فيها ( أل ) واحدة مع المواضع كلها كدخولها على الجامد من نحو : الرجل ،ودخولها على المشتق من نحو : القائم ، ودخولها على الظرف من نحو :
من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشة ذات سعه
ولكن النحاة فرقوا بينها باعتبار مدخولها لفظ رجل أو لفظ قائم أو لفظ مع ، فقد استطاعوا تأويلها بالذي في ( المعه ) و ( القائم ) بتقدير ( الذي معه ) و ( الذي يقوم ) وإن كنا نلاحظ اضطرار النحوي إلى تغيير اللفظ في القائم من ( قائم ) إلى ( يقوم ) ، ولم يسطيعوا التأويل ذاته فيما هو جامد مثل : الرجل . إذ لم يسمحوا لأنفسهم بأن يقولوا : الذي هو رجل . لأن اللفظة الجامدة عندهم لا يمكن لها أن تؤدي دور الفعل ، وما سماحهم بتأويلها بالذي مع لفظ ( مع ) إلا لأنهم يشمون فيه رائحة الظرفية الموجبة للتقدير الفعلي أو المشتق الذي يحمل من سمات الفعل ما يجعله قريبا منه .
3. مذهب بعض النحاة أن الاسم الموصول يتعرف بصلته لا بأل الداخلة عليه (15). وهو أمر مقبول من جهة أنّا نلحظ وضوح الفكرة الموجبة للسكوت مع توافر الصلة ، ومن ذهب إلى أنه يتعرف بالألف واللام الداخلة عليه يجعل منه محتاجا إلى تعريف لآخر ، ولا مبرر من اجتماع معرفين على معرّف واحد ، فأل وحدها لا تعرف موصولا عدّ مبهما عند النحاة . وعليه فأن الألف واللام محتاج بذاته إلى تعريف يزيل إبهامه ويوضح معناه ، كما في المخطط الآتي :

واختيار لفظ من الألفاظ المذكورة ( رجل أو طالب أو إمام ) موجب لتحديد ذلك المبهم ومزيل لشيوعه وعمومه .

وهو الذي يمكن رؤية آثاره فيما هو فعل ، وقد تبين لنا في المبحث الأول من هذه الدراسة كيف أن الفعل يحوي فاعله ، وأن ابن جني كان يقول : (( ألا ترى إلى قام ودلالة لفظه على مصدره ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله ....ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ، ثم تنظر فيما بعد فتقول : هذا فعل ولا بد له من فاعل ، فليت شعري . من هو وما هو ؟ فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل )) (16 ) وأن النحاة كانوا ينظرون إلى الفاعل على أنه جزء فعله . فالفعل ( جاء ) مثلا ، فعل عام يطلق على زيد وعمرو وعلي وفلان من الناس ، وتحديده بواحد منهم موجب لرفع الإبهام وتقييد لما هو مطلق وضعا . وهو ما يفسر الرؤية النحوية التي تذهب إلى أن الأفعال نكرات . يقول سيبويه وهو يحاول ربط الاسم النكرة بالفعل : ((وتقول : هذا ضارب ، فيجيء على معنى هذا سيضرب ، وإذا قلت : هذا الضارب فإنّما تعرفه ، على معنى الذي ضرب ، فلا يكون إلا رفعا ، كما أنّك لو قلت : أزيد أنت ضاربه . وصار معرفة رفعت ، فكذلك هذا الذي لا يجيء إلا على هذا المعنى ، فإنّما يكون بمنزلة الفعل نكرة )) ( 17 ) . ويقول ابن السراج : ((ولا يجوز أن تقول : القائم أخوتك ، على قول من قال : أقائم أخوتك ؟ لأن قولهم : أقائم أخوتك ؟ تجري مجرى : أيقوم أخوتك ؟ وما كان فيه الإلف واللام لا يجري هذا المجرى لأنه قد تكمل اسما معرفة والمعارف لا تقوم مقام الأفعال ، لأن الأفعال نكرات )) ( 18 ) وذكر ا