مرتكزات نظرية الترابط النصي
الدكتور
رياض السواد
اللغة مجموعة ألفاظ تأتلف فيما بينها بنظام يختلف من لغة إلى أخرى ، أو قل من فصيلة إلى فصيلة ، وفق نماذج يتدخل في بنائها النظام الفكري لأي أمة من الأمم . والعربية لغة من اللغات الحية لها ما يميزها في نظامها الداخلي الموجب لتكوين الجمل أو الكلام بصورة عامة . والبحث دراسة لهذا النظام الذي تأتلف عليه ألفاظ العربية ، وبيان لسبل الربط بين أجزائه التي تقوم بتأليفه وتكوينه بحيث يكون مفهوما يحسن السكوت عليه باصطلاح النحاة . وهو أمر تطلب أن يجعل البحث على قسمين : اختص الأول بدراسة العلاقة الاسنادية التي تكون سببا في ربط أجزاء الجمل فيما بينها اسمية كانت أم فعلية ، وأما الثاني فكان مختصا بعلاقة أخرى سميت بإزالة الشيوع ، ولعلّها تسمية مستحدثة ، ولكن أريد بها أن تكون شاملة لمواضع الاختصاص والبيان أو التبيين والتقييد أو ما شابه ذلك من علاقات يمكن أن تندرج تحت هذا المفهوم ( إزالة الشيوع ) .
ولا بد من الإشارة في هذا الموضع إلى أن هناك مجموعة من الدراسات وضعت في هذا المجال لعلّ أهمها دراسة الدكتور مصطفى حميدة ( نظام الارتباط والربط في تركيب الجملة العربية ) إلا أنها دراسة بقيت تدور في المجال النحوي المألوف إذ حاول الأستاذ الجليل أن يبين جذور فكرة الارتباط ومفهومها وعلاقات الارتباط ووسائله في العربية . في حين جاء ت هذه الدراسة لتبين أهم ركيزتين في الارتباط النصي وهما الإسناد وإزالة الشيوع ، إذ يرى البحث أن العربية لغة تقوم على هذين ، وهو وإن لم يتوسع في ذكر بقية العلاقات مما له ارتباط بأجزاء الفقرة الثانية ، إلا أنّه حاول أن يعالج ما هو أساس لذلك كله ، فإليه ( إزالة الشيوع ) مرجع علاقات كثر كما الحال في أدوات المعاني وتضمنها المعاني التي توضح فيما هو واقع بعدها .
أسأل الله سبحانه أن يوفقني لما هو خير .
رياض
وهو (( ضم إحدى الكلمتين إلى الأخرى على وجه الإفادة التامة . أي على وجه يحسن السكوت عليه )) (1) ويجري في العربية في بناءين أساسيين الأول ما يمكن أن يصطلح عليه بالبناء الاسمي الذي يجري في المبتدأ والخبر . وأما الثاني فهو البناء الفعلي الذي يؤسس له الفعل والفاعل ونائبه . وفي البناءين المتقدمين تسير المعادلة اللغوية باتجاه إمكانية الترابط بين أجزائها في أشكالها المشار إليها وفق علاقات لغوية فكرية محضة تجعل من الكلام ذا بعد يحسن السكوت عليه على حذ ّ اصطلاح النحاة .
وسيحاول البحث أن يعالج إمكانية وسبل الترابط بين الأبنية اللغوية بأشكالها المختلفة وعلى النحو الآتي .
وفي طريقة الترابط بين أجزاء هذا البناء مجموعة نظريات أقدمها وأوسعها في مجالات الدراسة اللغوية نظرية سيبويه القائمة على صفة الربط بين جزأي المعادلة اللغوية ( المسند والمسند إليه ) (( فالمبتدأ كل اسم أبتديء ليبنى عليه الكلام ، فالمبتدأ والمبني عليه رفع . فالابتداء لا يكون إلا بمبني عليه ، فالمبتدأ الأول والمبني عليه ما بعده . فهو مسند ومسند إليه . وأعلم أن المبتدأ لابد له من أن يكون المبني عليه شيء هو هو أو يكون في مكان أو زمان .... فأما الذي يبنى عليه شيء هو هو فإن المبني عليه يرتفع به كما ارتفع هو بالابتداء ، وذلك قولك : عبد الله منطلق ، ارتفع عبد الله ؛ لأنه ذكر ليبنى عليه المنطلق ، وارتفع المنطلق ؛ لأن المبني على المبتدأ بمنزلته ))(2).
وفي مقام آخر ذكر ما نصه : ((وهذا عبد الله معروفا ، فهذا اسم مبتدأ بني عليه ما بعده وهو عبد الله ، ولم يكن ليكون هذا كلاما حتى بني عليه أو بني على ما قبله . فالمبتدأ مسند والمبني عليه مسند إليه ))(3).
ولعل أهم ما يميز هذه النظرية أن الترابط بين جزءي المعادلة اللغوية الاسمية ( المسند والمسند إليه ) لا يكون إلا بصفة كون المبني عليه ( الخبر) عين المبتدأ في المعنى ، أو في اصطلاح آخر أن يكون هو هو ( 4) . على حدّ تعبير سيبويه . ولعل هذه الصفة التي تميزت بها العربية عمّا سواها من لغات هندوأوربية جعلت من تركيبها ذا طبيعة خاصة إذا ما أريد له أن يترابط وذلك وفقا لفكر أصحابها الناطقين بها . فالقضية الحملية في العربية تختلف عنى الحملية في لغات من نحو الفارسية واليونانية والانكليزية : (( فكما أنّ اللغة الفارسية واليونانية تستلزم تصور القضايا الحملية على أنّها من باب ثبوت شيء لشيء لذلك يذكر فيها الربط بين الموضوع والمحمول وهو أست أو أستين . بينما اللغة العربية تصور للذهن أنّ القضية الحملية من باب الهوهوية بين الموضوع والمحمول . نحو : زيد قائم ، لذلك حينما يعبرون عن نسبة الربط فيها يذكرون ضمير الشأن وهو لفظ هو )) (5).
ومعنى هذا أنّ العربية تقول مثلا : الصدقة تدفع البلاء ، وتصور للذهن اتصاف الخبر (تدفع) بالمبتدأ بحيث يكون جزءا منه أو كالجزء بتعبير أدق ، ولذا نجد فيه ( الخبر ) ضميرا يعود على المبتدأ ، والتقدير فيه : الصدقة تدفع هي البلاء . وفي مفهوم أصحاب هذه النظرية أنّ الرابط بين جزأي المعادلة ( المسند والمسند إليه ) هو هذا الضمير . في حين تقول الفارسية في حال الترجمة الحرفية للتركيب المتقدم : صدقة دفع بلا أست ، والتقدير : الصدقة تكون دفع بلاء ، في حال تقديم الرابط ليتماشى مع قوانين العربية . وفيه يلاحظ الفرق واضحا بين التصورين العربي والفارسي لهذا القول المشهور . ويمكن أن نجد عين التصور الثاني في اللغة الانكليزية لاسيما أنّها لغة هندواوربية وهناك تشابه واضح فيما تتصوره ذهنية أصحاب هذه اللغات من القضايا الحملية ، فتركيب من نحو : Mohammed is your brother ويقابله في العربية محمد أخوك ، وطرفاه Mohammed and your brother ولكن الطرفين لا يمكن لهما أن يترابطا من دون الكينونة التي تصور للذهن ثبوت الأخوة لمحمد وهي في الجملة المذكورة ) is ( وهم محتاجون إليها لخلق هذا الترابط بأفعال مساعدة يسمونها ال (verb to be ) وهي : is , am , are , was , were , shall , will .
وقد أدرك سيبويه ومعه الكوفيون صورة الربط في العربية باعتبارات النظرية المتقدمة ، ولذا قسم الخبر أو المبني عليه باصطلاحه على قسمين : أن يكون هو هو أو يكون في مكان أو زمان ، وكأنّما المكان والزمان مخرجان الخبر من الاتصاف بالمبتدأ ، وهذا ما يفسر قول الكوفيين بأنّ الظرف الواقع خبرا من نحو : زيد أمامك منصوب بالخلاف . ( 6 ) ويفسر في الوقت ذاته بحث النحاة عن خبر غير الجار والمجرور والظرف ويقدرونه في جملة من نحو : زيد أمامك : كائن أو مستقر أو كان أو استقر ( 7 ) . وفي أمرهم هذا كأنما يلجأون للبحث عن الهوهوية التي لا يمكن تحصيلها بالظرف والجار والمجرور ، ولذا يجدونها واضحة في المقدر أو ما سموه بالمتعلق بفتح اللام .
وأمّا النظرية الثانية فهي النظرية التي تبني المكون اللغوي على أساس المباحث الفلسفية وما تتركه من تصورات في ذهن المتكلم ، ولعلّها متأتية من المباحث الفلسفية الأولى التي كتبت باللغة اليونانية وما يحمله أصحابها ( أفلاطون وسقراط وغيرهما ) من تخيل لصورة الاندماج اللغوي وتراكب الألفاظ في ذهن صاحبها . ولذا يشترطون في البناء المتقدم توافر العناصر الثلاثة : الموضوع والمحمول والرابطة .(( فالموضوع هو الذي يسميه النحويون المبتدأ وهو الذي يقتضي خبرا وهو الموصوف ، والمحمول هو الذي يسميه النحويون خبر المبتدأ وهو الصفة ))( 8 ) ويشترطون لربط الموضوع بالمحمول وجود الرابطة أو الرابط وهو عبارة : ( عمّا يوجب جعل أحد جزأي الحملية موضوعا والآخر محمولا كهو وكان ويكون ووجد ويوجد ونحو ذلك ) ( 9 ) .
وقد أخذت هذه النظرية حيزا لا بأس به من التفكير النحوي قديما وحديثا يشعر به أحيانا ويقوله النحوي من حيث لا يعلم أحيانا أخرى . ولعلّ أهم آثارها :
1. تقدير المتعلق ( بفتح اللام ) في مسائل من نحو الظرف والجار والمجرور الواقعان خبرا . ففيهما ما يوجب ذلك التعلق بحكم أّن بعض ألفاظ الجر كـ ( في وعلى والباء وغيرها ) والظروف من نحو : ( عند وفوق وتحت )تحمل في معناها مفهوم الحلول أو ما يصطلح عليه بالظرفية . فلو أنّا قلنا : محمد في الدار أو عندك ، حمل التركيب معنى حلول محمد في الدار أو استقراره فيها بالظرفية التي تفهم من لفظ ( عند ) . وقد لاحظ النحاة فكرة الحلول هذه أو ما يمكن أن يصطلح عليها بالظرفية أو الوعاء على حد اصطلاح سيبويه إذ قال : (( وأما( في) فهي للوعاء ، تقول : هو في الجراب ، وفي الكيس ، وهو في بطن أمّه وكذلك هو في الغلّ، لأنّه جعله إذا أدخله فيه كالوعاء له ، وكذلك هو في القبة ، وفي الدار )) (10).وأشار الفراء إلى المعنى ذاته بحيث أنّه يصطلح على الظرف المحل أو الحلول . (11)(. والى ذلك استند ابن مالك في قوله :
الظرف وقت أو مكان ضمّنا ( في )باطّراد كـ(( هنا امكث أزمنا))
2. استعملت العرب الكينونة المشار إليها وبالصفة ذاتها التي استعملت فيها وهي في لغات هندو أوربية من دون أن تعطي أي معنى غير الذي يفهم من إفادة الربط كقول الشاعرة : ( 12)
أنت تكون ماجد نبيل إذا تهب شمأل بليل
يقول المخزومي : ( ولكن الجملة العربية – فيما يبدو – كانت تتضمن في استعمالاتها القديمة شيئا من هذا معبرا عنه بفعل الكينونة ، ولكنه انقرض في الاستعمال الشائع وبقيت له آثار احتفظت بها بعض الشواهد ) (13).
3. وتظهر الكينونة واضحة فيما عرف عند النحاة بالمسألة الزنبورية ، ومفادها مناظرة بين الكسائي وسيبويه على (( كنت أظن أنّ النحلة أشدّ لسعا من الزنبور . فإذا هو هي أم فإذا هو إياها ؟ . وقد أجاب سيبويه بحكم القياس : فإذا هو هي . فخطّأه الكسائي مدعيا أن العرب تقول فإذا هو إيّاها ))(14). وحقيقة الأمر أنّا لا نجزم بصحة جواب دون جواب إلا أن القصد أو قل المعنى الذي أراده سيبويه : هو يشبه هي ، وعين المعنى أراده الكسائي ولكنه أعمل الفعل يشبه فيما بعده فجاء بالضمير منصوبا لاقتضاء الفعل مفعوله . وهذه بطبيعة الحال هي الكينونة التي يحاول أصحاب هذا المذهب اللغوي إثباتها في الدراسات اللغوية التي تهتم بتركيب النص العربي.
وبعد هذا سأحاول أن أعرض لأشكال المكون الاسمي والتي من خلالها يمكن بيان طريقة الربط في البناء الاسمي . فالجملة الاسمية يمكن أن تأتي على الأشكال الآتية :
أ. زيد قام أبوه .
ب. السمن منوان بدرهم .
ت. لباس التقوى ذلك خير .
ث. الحاقة ما الحاقة .
ج. نطقي الله حسبي .
ح. زيد قائم .
خ. زيد أخوك .
د. زيد أسد .
ذ. زيد في الدار أو عندك .
ر. كيف حالك؟
ويلاحظ على ذلك ، أنّ الأنساق المتقدمة توزعت بين الإخبار والإنشاء بالوصف المعروف للجمل الخبرية والجمل الإنشائية ، وفيها أخذ الخبر أشكالا متعددة توزعت بين مجيئه جملة وبين مجيئه مفردا بصفة الجمود والاشتقاق . فأمّا الأنساق الثلاثة الأولى فقد جاء الخبر فيها جملة ولكنّها ليست عين المبتدأ في المعنى ولذا احتاجت إلى رابط يربطها بالمتقدم عليها ( المبتدأ ) وهو في الأولى الضمير ( الهاء ) وفي الثانية ضمير مقدر في ( منه ) والتقدير : السمن منوان منه بدرهم . وجاء في الثالثة إشارة وفي الرابعة تكرارا للمبتدأ . وأما النسق الخامس فقد جاء فيه الخبر جملة هي عين المبتدأ في المعنى ذلك أنّ الله حسبي يساوي نطقي ، وبناء على ذلك لم يحتج إلى رابط يربطه بالمبتدأ .
ويشترط النحاة الرابط فيما هو شبيه النسق السادس لمجيء الخبر فيه مفردا مشتقا ، فزيد قائم يساوي في التقدير : زيد قائم هو ، ولا يصح ترابط من دونه . ومجيء الخبر في النسقين السابع والثامن مفردا جامدا أوجب على رأي معظم النحاة إلا الكسائي والرماني (15) أن لا يكون فيه رابط يربطه بالمتقدم . وأمّا النسق التاسع ففيه ورد الخبر من جهة الشكل جارا ومجرورا وظرفا في جزئه الآخر ، ومن أجل ذلك يشترط النحاة إلا بعضهم (16) تعلق الجار والمجرور والظرف بشيء من قبيل الاسم أو الفعل وكأنهم يبحثون عن ذلك الرابط الذي لا يمكن تحصيله إلا في المتعلق ( بفتح اللام ) . وتميز النسق الأخير بمجيئه في حالة الإنشاء ، وموجبات الترابط فيه أن يكون محمولا على المشتق من جهة المعنى ، إذ ترد ( كيف ) بمعنى الكيفية وهي حاله توجب المعنى الاشتقاقي ، ولا يجوز لها أن ترتبط أجزاؤها ما لم تحمل المعنى المذكور . فهو من حيث الواقع طلب معرفة شيء وترابطه موجب لتقدير الكينونة أو الحصول أو ما شابههما من ألفاظ تحمل المعنى الذي يساعد على ربط جزأي الجملة . وأما النسق الذي يرد فيه التركيب شبيها لقولنا : أقائم زيد ؟ فهو من قبيل التركيب الفعلي ، وسيعالج أمره مع البناء الفعلي في المبحث الذي يلي هذا .
والجدول الآتي يوضح طريقة الترابط بين الأنساق المشار إليها :
ت المسند إليه الترابط الاسنادي المسند الرابط السبب
1 زيد زيد قام أبوه
قام أبوه
الهاء
الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
2 السمن
السمن منوان بدرهم منوان بدرهم منه
الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
3 لباس التقوى
لباس التقوى ذلك خير خير ذلك الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
4 الحاقة
الحاقة ما الحاقة
ما الحاقة التكرار
الخبر جملة ليست عين المبتدأ في المعنى
5 نطقي نطقي الله حسبي الله حسبي لا يوجد
الخبر عين المبتدأ في المعنى
6 زيد زيد قائم
قائم
هو
الخبر مفرد تقدم الفاعل فيه على الوصف
7 زيد زيد أخوك أخوك لا يوجد
الخبر مفرد جامد
8 زيد زيد أسد
أسد
لا يوجد
الخبر مفرد جامد
9 زيد زيد في الدار في الدار هو(بتقدير كائن) تعلق الظرف والجار والمجرور بالكينونة
10 حالك كيف حالك؟ كيف لا يوجد تقدم الاستفهام على المستفهم وهو والحالة هذه يشبه : أقائم زيد ؟
والأنساق المتقدمة بأشكالها المختلفة إنّما هي عبارة عن مجموعة ألفاظ ائتلفت فيما بينها فكونت كلاما يحسن السكوت عليه باصطلاح النحاة ، وهو في الوقت ذاته يحمل فكرة هي فكرة المتكلم التي يريد نقلها إلى السامع ، وليس لهذه الفكرة أن تكون مفهومة ومقبولة عند السامع ما لم تحاك ألفاظها المعبرة عنها بعلاقات تساعد على ربط الألفاظ فيما بينها . فمحمد لفظ يحمل معناه الدال على الاسمية وأخ لفظ كذلك دال على معنى الأخوة ، فإذا ما أريد التعبير عن كون محمد أخ لفلان قيل : محمد أخوك . فالجملة إذن مؤتلفة من لفظين هما في حال الانفصال لا يعبران عن المفهوم الذي تحصل من جملة : محمد أخوك بل يعبران عن معنى اللفظة في حال إفرادها ، والمعنى الذي تحصل من اندماج اللفظين معا إنّما كان بسبب من وجود علاقات معينة ساعدت اللفظين على الاندماج وتكوين مفهوم جديد يحسن السكوت عليه . ولعلّ أهم هذه العلاقات الموجبة للترابط بين أجزاء المكون الاسمي :
1. أن تكون الصفة الموجبة للخبر الذي يراد له أن يرتبط والمبتدأ بنظام الجملة العربية المبني على المسند والمسند إليه قائمة على أساس التخصص وهي التي يصير بها الخبر مختصا بالمبتدأ دون سواه أو أنّه يصبح معه كالجزء المكمل . ومن دون التخصص المذكور لا يكون ترابط بين مكونات النسق المشار إليه ، ومن هنا نفهم عدم صحة وقوع الجامد خبرا بدلالة الجمود الموجودة فيه ومن دون انزياح لمعنى اللفظة ليحمل معنى آخر غير الذي يظهر من الأصل ، وإذا ما أريد للفظة التي تحمل الصفة المتقدمة الوقوع خبرا احتيج معها إلى التخصيص إمّا بالإضافة أو تحميلها معنى مجازي تكون به خارجة عن الظاهر المعتاد لها لتدخل في اعتبارات القصد الباطن . فجملة من نحو : زيد أسد ليس لألفاظها أن تتحد فيما بينها لتكون المفهوم المستحصل من دون ذلك القصد الذي يجعل زيدا في التركيب المتقدم حاملا لصفة الشجاعة المراد تصورها باستعمال لفظ أسد ، وهذا التصور لم يتأت من لفظة أسد الجامدة بل من استعمالها في قصد الشجاعة .
2. ومن موجبات الصفة المشار إليها في الفقرة (1) ومن أجل اختصاص الخبر بالمبتدأ يحتاج المتكلم معها إلى ما يسمى بالعائد وهو وسيلة أساسية من وسائل الربط في العربية بين أجزاء التركيب الواحد . وفي التراكيب المتقدمة قد يأتي ضميرا أو إشارة أو تكرارا ، ومن دون ذلك تنتفي صفة التخصيص التي تعد الصفة الرئيسة الموجبة للترابط في المكون الاسمي . وقد أحس النحاة بذلك فأنكروا وقوع الجمل الإنشائية خبرا ، من نحو : زيد اضربه ، وما جاء منها بالصفة المذكورة مؤوّل عندهم بنحو : زيد مقول فيه اضربه (17) أو أنّ التركيب خضع لاعتبارات الانزياح في المفاهيم اللغوية وأنّ القصد منه غير الذي هو ظاهر من التركيب . ولعلّ السبب الموجب لذلك عدم القدرة على إيجاد العائد على المبتدأ . ونفهم من ذلك الشرط اشتراط البصريين للفظ الذي يراد له أن يقع خبرا وهو في حال الإفراد والجمود أن يتأوّل بالمشتق وكأنّهم أدركوا موجبات العلاقة التي تجعل من الخبر خاصا بالمبتدأ غير متصف بالعموم .
3. وصفة الاختصاص المشار إليها في المكون الاسمي والتي كانت مدعاة لهذا الترابط بين جزأي الجملة ( المسند والمسند إليه ) لا يمكن لها أن تستحصل من دون الفكرة الذهنية التي يحملها المتكلم والتي يريد منها اتصاف الخبر بالمبتدأ . وهذه الفكرة هي التي اصطلح عليه النحاة بالكينونة ، ولكن لا يشترط بها أن تكون بلفظ الكون ، بل قد تكون بلفظ المشابهة كقولنا : زيد أسد ، والتقدير: يشبه الأسد . وإلا من حيث الواقع لا يمكن للفظين أن يندمجا في مكون يحسن السكوت عليه من دون إرادة المشابهة أو الكينونة بالمعنى العام أو الحصول أو ما شابه ذلك من ألفاظ تؤدي الغرض من اتصاف الخبر بالمبتدأ أو قل تخصص الخبر بالمبتدأ . ومحصلة القول أنّ الترابط بين مكونات النسق الاسمي لا يمكن أن يكون من دون من دون توافر الشروط الثلاثة الموجبة لهذا الأمر وهي : الاتصاف والكينونة والرابط . وأما الحالات الآتي يعدم فيها الرابط والكينونة كما لو كان المسند مشتقا مقدما على المسند إليه من نحو : أ قائم الزيدان ؟ أو كان استفهاما من نحو : كيف حالك ؟ مقدمة فيه الأداة للعلة المذكورة ، فهو أمر متأت من تقدم المشتق أو المحمول عليه بتأويل الكيفية على المسند إليه إذ يقربه إلى حيث البناء الفعلي . ومعنى هذا أنّ بناء من نحو : زيد قائم ، محتمل للربط والكينونة ، في حين أن التركيب لو جاء بصيغة : أقائم زيد ؟ أصبح فعلا والفاعل جزء لا يتجزأ من فعله . وسيعالج الأمر بتفصيل أكثر في البناء الفعلي .
وأريد به البناء الذي يجري فيما سمي بالجمل الفعلية ، وهي التي تبدأ بفعل حسب تحديد ابن هشام لها ( 18 ) ، ويمتد هذا التحديد لما سمي عند الكوفيين بالفعل الدائم للتشابه القائم بينه والفعل من جهة الدلالة على الحدث المرتبط بالزمن ومن جهة العمل فيما بعده واقتضائه الفاعل والمفعول المكونين الرئيسين للبناء الفعلي . وقد اعتاد النحاة أن يجعلوا الترابط بين مكونات هذا النسق محمولا على الترابط بين مكونات البناء الاسمي المشار إليه سلفا ، فالجانب الشكلي للمكونين يجري باتجاه توافر المسند والمسند إليه الركنين الأساسيين الذين من خلالهما تحصل الفائدة الموجبة لحسن السكوت .
وحقيقة الأمر أنّ المركب الفعلي وإن جرى في حدود المسند والمسند إليه ، إلا أن الإسناد الموجب لحسن السكوت فيه يختلف تمام الاختلاف عن الإسناد الذي لاحظناه في المكون الاسمي والذي يقضي في سبيل الفائدة توافر العناصر الثلاثة التي أشير إليها سابقا وهي الاتصاف والكينونة والرابط , وأنّ المسند لا يمكن أن يتصف بالمسند إليه من دون العناصر المشار إليها . في حين يجري الإسناد في النظام الفعلي على مبدأ التخصيص أو إزالة الشيوع ، من جهة أنّ اللفظة الفعلية تلازم الفاعل كما تلازم الحدث والزمن ركنيها الأساسيين . فالإسناد الذي يجري في البناء الفعلي من باب التخصيص في حين أنّ الإسناد في البناء الاسمي من باب الاتصاف اتصاف الخبر بالمبتدأ .
ولعل النظرة النحوية المساوية بين الاثنين المركب الاسمي والمركب الفعلي من جهة الإسناد هي جزء من ذلك الإرباك الذي نلحظ آثاره في المنهج النحوي بطرقه وأشكاله المختلفة . فهم مثلا يعربون الضمير المنفصل في تركيب من نحو : اضرب أنت وضرب هو ، وما شابههما توكيدا ، جاء في إملاء ما من به الرحمن : ( اسكن أنت وزوجك الجنة ، أنت توكيد للضمير في الفعل أتى به ليصح العطف عليه ) ( 19) وهو يريد بذلك أنّه أي الضمير توكيد لفاعل استتر على حد فهمه في الصيغة الفعلية . ولم يقل مثل هذا في تركيب من نحو : ضرب زيد ، على الرغم من أنّه يجعل الضمير من الأسماء وهو وإن اختلف عن الأعلام إلا أنّه باق في حدود الاسمية . وواقع الأمر أنّ قولهم بأن الضمير المتقدم توكيد مشعر بأن الفاعل جزء الصيغة وهي متضمنة إياه ، وما إخراجه بتركيب من نحو : جاء زيد ، إلا من قبيل التحديد أو التخصيص لذلك المبهم المستتر أصلا في صيغته .
وقد أدرك النحاة أنّ الفاعل جزء الصيغة الفعلية وارتباطه والصيغة من جهة الالتزام وأنّ لكل فعل فاعل . فالفعل حدث ولا بدّ له من محدث ، يقول ابن جني بعد أن ذكر الدلالات اللغوية : ( فأقواهنّ الدلالة اللفظية ثمّ تليها الصناعية ثمّ تليها المعنوية ....فمنه جميع الأفعال ففي كل واحد منها الدلالات الثلاثة ، ألا ترى إلى قام ودلالة لفظه على مصدره ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله ....ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ، ثم تنظر فيما بعد فتقول : هذا فعل ولا بد له من فاعل ، فليت شعري . من هو وما هو ؟ فتبحث حينئذ الى أن تعلم الفاعل )) (20). ونتيجة لذلك حاول بعض النحاة أن يبحث عن سر العلاقة بين الفاعل وفاعله وإن بقي يدور في حلقة الثقافة النحوية التي تأسست على مبادئ من الفلسفة والمنطق ، إلا أنّه استطاع أن يؤسس لمفهوم جديد في العلاقة بين جزئي المعادلة اللغوية الفعل وفاعله . ولذا نجد السيوطي مثلا في الأشباه والنظائر يعقد مبحثا كاملا عن كون الفاعل جزء فعله وينزله منزلة الجزء باثني عشر دليلا (21):
أ. يسكن آخر الفعل لضمير الفاعل لئلا يتوالى أربع حركات كضربت وضربنا ولم يسكنوه مع ضمير المفعول .
ب. جعلوا النون في الأمثلة الخمسة علامة رفع الفعل مع حيلولة الفاعل بينهما ولولا أنّه كالجزء من الفعل لم يكن كذلك .
ت. أنّهم لم يعطفوا على الضمير المتصل المرفوع من غير توكيد لجريانه مجرى الجزء من الفعل واختلاطه به .
ث. أنهم وصلوا تاء التأنيث بالفعل دلالة على تأنيث الفاعل .
ج. يقولون : ألقيا وفقا مكان ألق ألق ، ولولا أن ضمير الفاعل كالجزء من الفعل لما أنيبت منابه .
ح. النسب إلى (كنت ) كنتي ، ولولا جعلهم التاء كالجزء من الفعل لم تبق مع النسب .
خ. أنّهم ألغوا ظننت إذا توسطت أو تأخرت ولا وجه إلى ذلك إلا جعل الفاعل كجزء من الفعل الذي لا فاعل له ، ومثل ذلك لا يعمل .
د. امتناعهم من تقديم الفاعل على الفعل كامتناعهم من تقديم بعض حروفه على بعض . جاء في شرح ابن الناظم تفسيرا لهذا الأمر:(لأنه كالجزء من الفعل ولأنّ الفعل يفتقر إليه معنى واستعمالا،فلم يجز تقديم الفاعل عليه كما لم يجز تقديم عجز الكلمة على صدرها) (22).
ذ. جعلهم حبذا بمنزلة جزء واحد لا يفيد مع أنّه فعل وفاعل .
ر. من النحويين من جعل حبذا في موضع رفع بالابتداء وأخبر عنه ، والجملة لا يصح فيها ذلك إلا إذا سمي بها .
ز. جعلهم (ذا) في حبذا بلفظ واحد في التثنية والجمع والتأنيث كما يفعل ذلك في الحرف الواحد .
س. قالوا في تصغير حبّذا ما أحيبذه ، فصغروا الفعل وحذفوا منه إحدى الياءين .
ومن إدراكهم كون الفاعل جزء الصيغة ما ذهبوا إليه من دلالة حروف المضارعة على فاعلها ، يقول ابن جني : (( ويدلك على تمكن المعنى في أنفسهم وتقدمه للفظ عندهم تقديمهم لحرف المعنى في أول الكلمة .... وعلى ذلك تقدمت حروف المضارعة في أول الفعل إذ كنّ دلائل على الفاعلين من هم وما هم وكم عدتهم )) ( 23) . ولكنّ النحاة ومع الذي ذكر من علاقات ومبررات توجب جعل الفاعل جزء الصيغة الصرفية ، لم يقر أحدهم باشتمالها على فاعلها وجعلوها مشتملة من حيث الصياغة على عنصري الحدث والزمن . ولعلّ الذي يدعوهم لذلك نظرة فلسفية محضة ، فجملة من نحو : جاء زيد ، لا يسطيع النحوي من خلالها أن يحكم باشتمال صيغتها الفعلية على الفاعل ، لأنّ الأمر سيضطره إلى القول بوجود فاعلين لفعل واحد وقد حكم ابتداء بفاعلية الاسم ( زيد ) في التركيب المتقدم . وقد يكون ما ذهب إليه النحاة مبررا من جهة أنّهم رأوا ما يميز الفاعل في التركيب كلفظ زيد في نحو : قام زيد ، وعليه منطبق الحد الذي وضعوه للمادة وهو ما شابه قولهم : (( هو ما أسند إليه الفعل أو شبهه وقدم عليه على جهة قيامه به )) (24). ولكنّ ذلك الانطباق إنّما يكون من جهة ورود زيد في التركيب المتقدم محددا لذلك الفاعل المبهم الذي احتوته الصيغة وليس هو الفاعل بحد ذاته .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّ الأفعال بطبيعتها إنّما تبنى على أحداثها التي كونتها مع عنصر الزمن ، وهي مرتبطة ارتباطا وثيقا بها ، فالمكون الفعلي وفقا لنظام الحدث الموجب لصيغته محتاج في تفسيره لطبيعة خاصة تختلف تماما عن تلك الطبيعة التي لحظناها في المكون الاسمي . بمعنى أن فكرة الإسناد في هذا المكون لا تقوم من حيث الواقع على توافر المسند والمسند إليه في الجملة الفعلية، وقد عرفنا سابقا أنّ توافر هذين العنصرين في النظام الاسمي موجب لتحديد الجملة وإعطاء الفكرة التامة التي يحسن السكوت عليها . وقد اعتادت الرؤية النحوية أن تجعل من الإسناد العلة الأساسية التي تساعد الجمل ، فعلية كانت أم اسمية على ترابط مكوناتها فيما بينها ، ولذا قالوا بأنّ الإسناد : (( ضم كلمة إلى كلمة على وجه الإفادة التامة )) (25). وإذا ما أرادوا تطبيق ذلك التعريف على بناء من نحو : قام زيد ، ذهبوا إلى أن المسند فيه هو لفظ قام وانّ لفظ زيد هو المسند إليه . وهو أمر مقبول في حدود هذا المركب ، ولكنه ليس مقبولا في تركيب من نحو : ضرب زيد عمرا ، فلسنا مضطرين إلى الحكم بأن الإفادة التامة المشروطة في تعريفهم للإسناد المتقدم الذكر قد انطبقت على هذا التركيب ، إذ لا يمكن السكوت في حدود المسند إليه وهو لفظ زيد من تركيب : ضرب زيد عمرا ، بمعنى أن حدث الضرب الذي مثله الفعل ضرب ، لا يمكن له أن يتمم معناه بحدود المرفوع بل هو محتاج من حيث الواقع إلى المنصوب .
ولأجل توضيح ذلك أعرض لمجموعة من الجمل ذات السياق الفعلي لمعرفة طبيعة الإسناد فيها وارتباط ذلك بالحدث ، وعلى النحو الآتي :
أ . قام أو يقوم زيد .
ب . ضرب زيد عمرا .
ت . أعطى زيد محمدا درهما .
ث . مررت بزيد .
ج . أصبح زيد قائما .
ح . أ قائم الزيدان ؟ .
ويلاحظ على ذلك أنّ الطبيعة التي وردت عليها الصيغ الفعلية في الأمثلة المتقدمة جاءت على شكلين أساسيين ، تمثل الأول باكتفاء الصيغة بمرفوعها في ظاهرة يطلق عليها اللزوم ، وتمثل الثاني بحاجة الصيغة إلى متمم بعد المرفوع ، ويسمونها التعدي . مع فارق الرؤية في التفسير النحوي للظاهرة المتقدمة ( التعدي واللزوم ) ، إذ نجد من النحاة من يفسر اللازم من الأفعال بما اكتفى بفاعله والمتعدي منها ما أخذ مفعولا ، في حين يتوسع آخرون ليجعلوا المتعدي بالواسطة - على حدّ تعبيرهم - من قبيل الأفعال اللازمة . (26). وبطبيعة الحال أنّ الأمر محدد بالحدث الذي تبنى عليه الصيغة ذاتها ، وأنّ دراسة الأفعال بالطبيعة الحدثية أولى لها من أن تدرس بطريقة التعدي واللزوم . فالقيام حدث وهو محتاج إذا ما أريد له أن يلفظ من المتكلم ليخرج كلاما يحسن السكوت عليه إلى بيان القائم ، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك ، إلا إذا ما أريد للفظة القيام أن تأخذ معنى أخر غير الذي أسست له بمفهوم الانزياح اللفظي ، كقولنا : فلان قام على الأمر : ويلاحظ فرق المعنى بين الاثنين ، فقام الأولى التي وردت في المثال : قام زيد ، غير قام الثانية الواردة في : قام على الأمر . والإعطاء الذي مثلته لفظة أعطى ، يحتاج إلى معط ومعطى له وشيء معطى ، والضرب واقعا يحتاج إلى الضارب والمضروب ، وكذا الفعل( مرّ) من : مررت بزيد ، فإنّ حدثه ( المرور ) يحتاج إلى المارّ ( الفاعل) والى بيان الشيء الذي حصل المرور به . ومن هنا نفهم وجه التشابه في الحاجة إلى فاعل بين التركيبين : قام زيد و أقائم الزيدان ؟ مع فارق المعنى الذي يوجبه البناء بشكليه فعل وفاعل . ولكنّ الحدث الذي أنبنى عليه الاثنان هو حدث القيام .
وخلاصة القول أنّ الإسناد في النظام أو السياق الفعلي الموجب للترابط بين أجزاء المعادلة الفعلية إنّما يقوم على ركنين أساسيين هما : التخصيص ونوع الحدث الذي تتركب الصيغة الفعلية منه .
1. التعريفات : 43
2. الكتاب : 2/ 126
3. المصدر نفسه : 2/ 78
4. يصطلح بعض الأصوليين على ذلك ب ( الهوهوية ) ويريدون بها أن يكون الخبر عين المبتدأ في المعنى . ينظر : الرافد في علم الأصول : 55
5. المصدر نفسه : 55
6. مذهب الكوفيين أن الظرف الواقع خبرا من نحو : زيد أمامك ، منصوب بالخلاف . ويريدون به أن الخبر ليس عين المبتدأ في المعنى . ينظر : الإنصاف في مسائل الخلاف : 1 / 245 ( م 29 ).
7. ينظر على سبيل المثال : الإنصاف في مسائل الخلاف : 1 / 245
8. الحدود الفلسفية : الخوارزمي : بضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب : 216
9. شرح ألفاظ الحكماء : بضمن كتاب المصطلح الفلسفي عند العرب :324
10. الكتاب : 4 / 226
11. الأصول في النحو : 1/ 204
12. نسبه البغدادي لفاطمة بنت أسد ، تنظر الخزانة : 9 / 228 ، وهو من شواهد ابن عقيل في شرحه على الألفية :1/ 292 و الهمع:1/ 438 .
13. في النحو العربي نقد وتوجيه : 35 – 36. وينظر الزمن في النحو العربي : 88
14. ينظر تفصيل المسألة في : الإنصاف في مسائل الخلاف : 2/ 702 ، م ( 99 ).
15. ينظر : شرح ابن عقيل : 1 / 205
16. لا يشترط ابن مضاء القرطبي التعلق في الجار والمجرور . ينظر : الرد على النحاة : 87
17. ينظر تفصيل المسألة في نحو : شرح ابن عقيل : 3 / 200
18. ينظر مغني اللبيب : 2 / 492
19. إملاء ما من به الرحمن : 30
20. الخصائص :3 / 69
21. ينظر : الاشياه والنظائر : 2/ 66
22. شرح ابن الناظم : 219
23. الخصائص : 1/ 225
24. شرح الوافية : 124
25. التعريفات ، الجرجاني : 43
26. المتعدي من الأفعال عند الفارسي ما أخذ مفعولا به صريحا تظهر عليه الحركة المخصصة لذلك ومعنى ذلك أنّه لا يعد ما وصل إلى مفعوله بواسطة حرف من حروف الجر متعديا ، في حين أن المتعدي عند ابن جني ما وصل إلى مفعوله بحرف أو بدونه . ينظر : المقتصد في شرح الإيضاح : 1 / 344 و اللمع : 118 – 119.
وأمّا الجزء الآخر من مقومات الترابط النصي فهو ما يمكن أن يصطلح عليه بإزالة الشيوع . وأريد به أن تكون اللفظة محتملة للعموم الموجب في سبيل إيضاحه للفظة أخرى تقوم بوظيفة التوضيح في النص العربي. أو أنّ اللفظة من الإبهام ما تحتاج معه إلى لفظة أخرى تقوم بدور التوضيح أو قل إزالة الإبهام .وفيما يلي عرض للمواضع اللغوية التي تؤدي هذا الدور وهي واسعة في النحو العربي ، سأحاول الاقتصار على ما هو مهم يستطاع من خلاله أن يفهم دور هذا الركن في بناء النص العربي وبيان ملامح الربط فيه .
وهو ما يمكن أن نلحظ آثاره فيما سمي عند النحاة بالنعت وعطف البيان ، وهما موضعان منفصلان عن بعضهما بحسب العرف النحوي ، ولكن نظرة إلى الواقع اللغوي الذي يجري به الموضعان تضطرنا إلى الجمع بينهما في موضع واحد تحت اسم البيان . وليس الأمر بدعا من القول بل هو مذهب ابن السراج في أصوله فعطف البيان عنده نعت ولكن العرب امتنعت من أن تجريه على النعت ، لان النعت يجري في المشتق وعطف البيان يجري في الجامد (1).
ووجه الشبه بين الاثنين هو أنّهما يؤديان وظيفة التخصيص والتحديد لما هو متقدم عليهما . فقولنا : جاء الرجل ، يحتمل أن يكون الجائي من الرجال طويلا أو قصيرا أو ذكيا أو ما شابه ذلك من الأوصاف ، وتحديده بنحو : جاء الرجل الطويل ، رافع للإبهام ومحدد لصنف الجائي منهم . ولذا نرى سيبويه يذهب إلى كون النعت من المنعوت كالاسم الواحد (2).وعين هذا المفهوم يمكن استحصاله من عطف البيان ، فقولنا : أقسم بالله أبو حفص ، نلاحظ فيه أمكانية إطلاق الكنية ( أبو حفص ) على مجموعة أشخاص غير ( عمر ) وما قولنا بلفظ ( عمر ) إلا تحديد وتخصيص لذلك الذي خصته هذه الكنية . وفي أصول ابن السراج : ( تقول : يا هذا الطويل أقبل في قول من قال : يا زيد الطويل ، ومن قال : يا زيد الطويل قال : يا هذا الطويل ، وليس الطويل بنعت لهذا ولكنّه عطف عليه ، وهو الذي يسمى عطف البيان ، لأنّ هذا وسائر المبهمات إنّما تبين بالأجناس . ألا ترى أنّك إذا قلت : جاءني زيد ، فخفت أن يلتبس الزيدان على السامع أو الزيود ، قلت : الطويل )) (3). ومعنى هذا أن النعت والبيان يزيلان الاشتراك الموجب للصيغة التي تقع قبلا ، ذلك أنهما لا يقعان إلا بعد مشترك على حد قول الأعلم ( 4). والمخطط الآتي يوضح الأمر.
ويراد بها صلة الموصول التي تؤدي وظيفة إزالة الإبهام في الموصول حرفيا كان أم اسميا . ولعل السبب الموجب لذلك وقوع الموصول كما الإشارة في حيز الإبهام . ولذا نجد من النحاة من يجمع بين الموصول والإشارة في باب واحد تحت اسم المبهمات ( 5 ) . فالموصولات (( كلها سواء كانت اسمية أم حرفية مبهمة المدلول غامضة في المعنى .... فلا بدّ لها من شيء يزيل إبهامها وغموضها وهو ما يسمى الصلة . فالصلة هي التي تعيّن مدلول الموصول وتفصّل مجمله وتجعله واضح المعنى كامل الإفادة )) ( 6 ) فتركيب من نحو : جاء الذي ، محتمل لأن يكون الجائي : قال كلمة ، هو محسن ، نطق بالحق .... الخ وتحديده بواحد مزيل لذلك الإبهام .
بشكليه الإضافة ومع الألف واللام ، فواقعه أنّ إبهاما أو شيوعا يقع على اللفظة السابقة ويراد منها أن يزال هذا الإبهام ليحصل تقييد وتخصيص لها . يقول ابن السراج بعد ذكره لإضافة اسم الفاعل : (( كل ذلك إذا أردت به معنى المضي لم يجز فيه إلا هذا يعني الإضافة والخفض لأنه بمنزلة قولك : غلام عبد الله ..... ألا ترى أنّك لو قلت : غلام زيدا ، كان محالا فكذلك اسم الفاعل إذا كان ماضيا ، لأنه اسم وليس فيه مضارعة للفعل لتحقيق الإضافة وأنّ الأول يتعرف بالثاني )) (7) ومراده من هذا أن صفة الإضافة تعريف الثاني للأول من الألفاظ ، ولا ينعكس الأمر. ولذا لا يجوز أن يعرف الشيء نفسه وقد صار في موضع الإبهام والتعدد في المفهوم : (( فان قيل : ولم لم يضف الشيء إلى نفسه ، قيل : لأن الغرض في الإضافة إنّما هو التعريف والتخصيص ، والشيء إنّما يعرفه غيره ، لأنّه لو كان نفسه تعرفه لما احتاج أبدا أن يعرف بغيره ، لأن نفسه في حالي تعريفه وتنكيره واحدة وموجودة غير مفتقدة ، ولو كانت نفسه هي المعرفة له أيضا لما احتاج إلى إضافته إليها )) (8). ومعنى هذا أنّ المكون الاسمي الذي يقع نكرة من نحو : صاحب ، تتعدد مفاهيمه من جهة إمكانية إطلاقه على متعدد معنى ، فقد يكون ذلك المتعدد لفظا من نحو : فكر أو دار أو بيت أو خير أو ما شابه ذلك . ولو قيل : صاحب فكر، حصل التحديد لذلك الإبهام باللفظة المذكورة دون سواها .
ولما كانت الإضافة تجري بطريقين على حد فهم سيبويه والمبرد وآخرون وهما إضافة الاسم إلى اسم وإضافة اسم إلى حرف كان من الطبيعي أن ينجر هذا الفهم ( إزالة الشيوع )على ما هو مجرور بحرف جر من نحو : مررت بزيد . يقول سيبويه : (( واعلم أن المضاف إليه ينجر بثلاثة أشياء : بشيء ليس باسم ولا ظرف وبشيء يكون ظرفا وباسم لا يكون ظرفا ، فأما الذي ليس باسم ولا ظرف فقولك : مررت بعبد الله وما أنت كزيد )) (9) وفي المقتضب : (( فمن المضاف إليه ما تضيف إليه بحرف جرّ ومنها ما تضيف إليه اسما مثله )) ( 10) ووضوح الأمر أكثر عند الرضي ، إذ ذهب إلى أنّ الجار والمجرور مضاف ومضاف إليه إلا أنّه خلاف ما اعتاد عليه القوم (( فأنه إذا أطلق لفظ المضاف إليه أريد به ما انجر بإضافة اسم إليه ...أما من حيث اللغة فلا شك أن زيدا في : مررت بزيد مضاف إليه )) (11).
وظاهر الأمر أن العربية أجرت إضافة الاسم إلى اسم مثله في المكون الاسمي وإضافة اسم إلى حرف في المكون الفعلي . وهذا ما يجعلني أميل إلى القول الذي يذهب إلى أن الحرف ما دلّ على معنى في نفسه أو أنه دال على معنى ولكنه محتاج إلى غيره في تحديده وتميزه (12). فقولنا : مررت بزيد، يكون لفظ زيد فيه مزيلا لإبهام الباء ومحددا إيّاها وقد تعدد معناها بإمكانية أن يكون الشخص الذي مررت به زيدا أو عمرا أو عليا .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فان التعريف بطريقه الآخر وهو الجاري بالألف واللام ، سلك الطريق المذكور . ولكن النحاة قلبوا المعادلة اللغوية فأجروه بطريق تعريف الألف والآم لما بعدها ( مدخولها ) فلفظ من نحو : رجل ، في المفهوم المعتاد نكرة وإدخال الألف واللام عليه مزيل لهذا التنكير رافع إياه ومدخل اللفظة في حيّز التعريف . وعليه - بحسب الفكرة النحوية - يصبح السابق معرفا اللاحق خلاف المنطق اللغوي الذي يوجب جعل اللاحق محددا ومقيدا ومعرفا لما سبقه . ولعل من الأدلة التي تثبت أداء ما عدّ معرفا ( بفتح الراء) دور التعريف في اللفظة المتصلة بأل :
1. مذهب الكوفيين وبعض البصريين وكثير من المتأخرين – على حد قول ابن هشام – يجيز نيابة أل عن الضمير المضاف إليه ، وخرجوا على ذلك قوله تعالى : (( فإن الجنة هي المأوى )) ( النازعات : 41 ) ومررت برجل حسن الوجه . والتقدير : هي مأواه وحسن وجهه . ( 13 ) . ويذكر ابن هشام في الوقت ذاته أنّ الزمخشري كان يقول في قوله تعالى : (( وعلّم آدم الأسماء كلّها )) ( البقرة : 21) أن الأصل فيه أسماء المسميات ، وهو ما يستدعي نيابة أل عن الاسم الظاهر ، وقد تنوب عن الظاهر وضمير الحاضر وهو مذهب أبي شامة ، في نحو : بدأت ببسم الله في النظم أولا . ليكون الأصل : في نظمي ( 14 ). ونيابتها عن الظاهر من الأسماء والمضمر منها موجب للاعتراف بقدرتها على الحلول محل الأسماء وحاجتها إلى معرف وموضح يزيل إبهامها .
2. وقوعها موقع الموصول في ألفاظ من نحو : القائم والمقتول ، وهو أمر اضطر بعض النحاة إلى أن يحكموا بإفادتها الوصل لا التعريف . ولعل الذي يدفعهم إلى ذلك ما لاحظوه من عمل لاسم الفاعل والمفعول فيما بعدهما ، وكأنما لا يستقيم أمر ورود التعريف مع العمل ، وهو ما صرح به ابن هشام في مغني اللبيب ( 14 ) . ولعل الصورة التي ترد فيها ( أل ) واحدة مع المواضع كلها كدخولها على الجامد من نحو : الرجل ،ودخولها على المشتق من نحو : القائم ، ودخولها على الظرف من نحو :
من لا يزال شاكرا على المعه فهو حر بعيشة ذات سعه
ولكن النحاة فرقوا بينها باعتبار مدخولها لفظ رجل أو لفظ قائم أو لفظ مع ، فقد استطاعوا تأويلها بالذي في ( المعه ) و ( القائم ) بتقدير ( الذي معه ) و ( الذي يقوم ) وإن كنا نلاحظ اضطرار النحوي إلى تغيير اللفظ في القائم من ( قائم ) إلى ( يقوم ) ، ولم يسطيعوا التأويل ذاته فيما هو جامد مثل : الرجل . إذ لم يسمحوا لأنفسهم بأن يقولوا : الذي هو رجل . لأن اللفظة الجامدة عندهم لا يمكن لها أن تؤدي دور الفعل ، وما سماحهم بتأويلها بالذي مع لفظ ( مع ) إلا لأنهم يشمون فيه رائحة الظرفية الموجبة للتقدير الفعلي أو المشتق الذي يحمل من سمات الفعل ما يجعله قريبا منه .
3. مذهب بعض النحاة أن الاسم الموصول يتعرف بصلته لا بأل الداخلة عليه (15). وهو أمر مقبول من جهة أنّا نلحظ وضوح الفكرة الموجبة للسكوت مع توافر الصلة ، ومن ذهب إلى أنه يتعرف بالألف واللام الداخلة عليه يجعل منه محتاجا إلى تعريف لآخر ، ولا مبرر من اجتماع معرفين على معرّف واحد ، فأل وحدها لا تعرف موصولا عدّ مبهما عند النحاة . وعليه فأن الألف واللام محتاج بذاته إلى تعريف يزيل إبهامه ويوضح معناه ، كما في المخطط الآتي :
واختيار لفظ من الألفاظ المذكورة ( رجل أو طالب أو إمام ) موجب لتحديد ذلك المبهم ومزيل لشيوعه وعمومه .
وهو الذي يمكن رؤية آثاره فيما هو فعل ، وقد تبين لنا في المبحث الأول من هذه الدراسة كيف أن الفعل يحوي فاعله ، وأن ابن جني كان يقول : (( ألا ترى إلى قام ودلالة لفظه على مصدره ودلالة بنائه على زمانه ودلالة معناه على فاعله ....ألا تراك حين تسمع ضرب قد عرفت حدثه وزمانه ، ثم تنظر فيما بعد فتقول : هذا فعل ولا بد له من فاعل ، فليت شعري . من هو وما هو ؟ فتبحث حينئذ إلى أن تعلم الفاعل )) (16 ) وأن النحاة كانوا ينظرون إلى الفاعل على أنه جزء فعله . فالفعل ( جاء ) مثلا ، فعل عام يطلق على زيد وعمرو وعلي وفلان من الناس ، وتحديده بواحد منهم موجب لرفع الإبهام وتقييد لما هو مطلق وضعا . وهو ما يفسر الرؤية النحوية التي تذهب إلى أن الأفعال نكرات . يقول سيبويه وهو يحاول ربط الاسم النكرة بالفعل : ((وتقول : هذا ضارب ، فيجيء على معنى هذا سيضرب ، وإذا قلت : هذا الضارب فإنّما تعرفه ، على معنى الذي ضرب ، فلا يكون إلا رفعا ، كما أنّك لو قلت : أزيد أنت ضاربه . وصار معرفة رفعت ، فكذلك هذا الذي لا يجيء إلا على هذا المعنى ، فإنّما يكون بمنزلة الفعل نكرة )) ( 17 ) . ويقول ابن السراج : ((ولا يجوز أن تقول : القائم أخوتك ، على قول من قال : أقائم أخوتك ؟ لأن قولهم : أقائم أخوتك ؟ تجري مجرى : أيقوم أخوتك ؟ وما كان فيه الإلف واللام لا يجري هذا المجرى لأنه قد تكمل اسما معرفة والمعارف لا تقوم مقام الأفعال ، لأن الأفعال نكرات )) ( 18 ) وذكر ا